{إن الذين يكفرون بآيات الله…}


﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ… ﴾ [آل عمران: 21 – 22]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ [آل عمران: 21، 22].

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ ﴾ جيء بالأفعال المضارعة لتدل على استحضار الحالة الفظيعة، وليس المراد إفادة التجدد؛ لأن ذلك وإن تأتى في قوله: ﴿ يَكْفُرُونَ ﴾ لا يتأتَّى في قوله: ﴿ وَيَقْتُلُونَ ﴾؛ لأنهم قتلوا الأنبياء، والذين يأمرون بالقسط في زمن مضى.

﴿ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾ الآيات: جمع آية، وهي في اللغة العلامة، وهي كونية وشرعية، فالآيات الكونية هي التي نشاهدها مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها، وهي تدل على أن الخالق واحد لا شريك له، وعلى أنه لا يشبهه شيء.

والآيات الشرعية أيضًا لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها، قال عز وجل: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ [الإسراء: 88]، وهي دالة على أن الذي أنزل هذه الآيات إله واحد، وأنه كامل الحكمة.

والكفر بالآيات الكونية أن يجحد أن الخالق سبحانه وتعالى خلقها، فيدَّعي أنَّ الذي خلقها غير الله، أو أن له شريكًا في خلقه، أو أن له معينًا في خلقه.

والكفر بالآيات الشرعية إما بجحودها وبتكذيبها، أو بالاستكبار والعناد، ومن تكذيبها أو الاستكبار عنها: تحريف النصوص، فإن تحريف النصوص نوع من الكفر بلا شك.

وفيه وجوب الإيمان بآيات الله الشرعية والكونية؛ لأن الله تعالى توعَّد هؤلاء الكافرين بالعذاب الأليم.

﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ ﴾ يشمل: الرسل، ومن لم يرسل من النبيين، وما أكثر ما توجد هذه الصفة في اليهود! لأن اليهود هم أعتى المخالفين للرسل وأشدهم غلظة والعياذ بالله، فصار منهم من قتل الأنبياء بغير حق، وعبد الطاغوت.

قال ابن عاشور: والمراد من أصحاب هذه الصلات يهود العصر النبوي؛ لأنهم الذين توعَّدهم بعذاب أليم، وإنما حمل هؤلاء تبعة أسلافهم؛ لأنهم معتقدون سداد ما فعله أسلافهم، الذين قتلوا زكريا؛ لأنه حاول تخليص ابنه يحيى من القتل، وقتلوا يحيى لإيمانه بعيسى، وقتلوا النبي إِرْمِياءَ بمصر، وقتلوا حَزْقِيَالَ النبي لأجل توبيخه لهم على سوء أفعالهم، وزعموا أنهم قتلوا عيسى عليه السلام، فهو مَعْدُودٌ عليهم بإقرارهم وإن كانوا كاذبين فيه، وَقَتَلَ مَنْشَا بْن حَزْقِيَالَ، مَلِك إِسْرَائِيلَ، النَّبِي أَشْعِيَاءَ، نشره بالمنشار؛ لأنه نهاه عن المنكر بمرأى ومسمع من بني إسرائيل، ولم يحموه، فكان هذا القتل معدودًا عليهم، وكم قتلوا ممن يأمرون بالقسط، وكل تلك الجرائم معدودة عليهم؛ لأنهم رضوا بها، وألحُّوا في وقوعها.

﴿ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ هي حال مؤكدة للواقع؛ إذ لا يقع قتل نبي إلَّا بغير الحق، فلا يراد منه التقييد ولا الاحتراز، فإنه لم يقتل قط نبي بحقٍّ، وإنما أتى بهذه الحشوة ليتأكد قبح قتل الأنبياء، وزيادة تشويه فعلهم، ولكي يعظم أمره في قلب العازم عليه.

روى ابن أبي حاتم عن عبدالله بن مسعود -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قال: “قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي من أول النهار، وأقاموا سوق بَقْلِهِمْ من آخره”.

وجاء في هذه السورة ﴿ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ بصيغة التنكير، وفي البقرة ﴿ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [البقرة: 61] بصيغة التعريف؛ لأن الجملة هنا أخرجت مخرج الشرط، وهو عام لا يتخصَّص، فناسب أن يكون المنفي بصيغة التنكير حتى يكون عامًّا، وفي البقرة جاء ذلك في صورة الخبر عن ناس معهودين، وذلك في قوله: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 61]، فناسب أن يأتي بصيغة التعريف؛ لأن الحق الذي كان يُستباح به قتل الأنفس عندهم كان معروفًا؛ كقوله: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ [المائدة: 45]، فالحق هنا الذي تقتل به الأنفس معهود معروف، بخلاف ما في هذه السورة.

﴿ وَيَقْتُلُونَ ﴾ قرأ حمزة: “ويقاتلون الذين يأمرون”، وقرأ الحسن: “ويقتّلون النبيين”، بالتشديد، والتشديد هنا للتكثير بحسب المحل.

﴿ الَّذِينَ ﴾ تأكيدًا لقبح ذلك الفعل ﴿ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ ﴾ بالعدل ﴿ مِنَ النَّاسِ ﴾؛ أي: من غير الأنبياء؛ إذ لو قال: “ويقتلون الذين يأمرون بالقسط”، لكان مندرجًا في ذلك الأنبياء لصدق اللفظ عليهم، فجاء ﴿ مِنَ النَّاسِ ﴾ بمعنى: من غير الأنبياء.

قال الحسن: تدل الآية على أن القائم بالأمر بالمعروف تلي منزلته في العِظَم منزلة الأنبياء.

قال ابن جريج: كان الوحي يأتي على أنبياء بني إسرائيل ولم يكن يأتيهم كتاب، فيذكِّرون قومهم فيُقتلون، فيقوم رجال ممن اتَّبَعهم وصدَّقهم فيذكِّرون قومهم فيقتلون أيضًا فهم الذين يأمرون بالقسط من الناس.

وقد وصف من تولَّى عن الإسلام وكفر بثلاث صفات:

إحداهما: كفره بآيات الله وهو مقرون بالصانع، وجعل كفرهم ببعض مثل كفرهم بالجميع.

الثانية: قتلهم الأنبياء. والثالثة: قتل من أمر بالعدل.

فهذه ثلاثة أوصاف بدأ فيها بالأعظم فالأعظم، وبما هو سبب للآخر، فأولها: الكفر بآيات الله، وهو أقوى الأسباب في عدم المبالاة بما يقع من الأفعال القبيحة، وثانيها: قتل من أظهر آيات الله واستدل بها. والثالث: قتل أتباعهم ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

وهذه الآية جاءت وعيدًا لمن كان في زمانه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولما كانوا على طريقة أسلافهم في ذلك، نسب إليهم ذلك، ولأنهم أرادوا قتله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقتل أتباعه، فأطلق ذلك عليهم مجازًا؛ أي: من شأنهم وإرادتهم ذلك.

﴿ فَبَشِّرْهُمْ ﴾ الخطاب للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أو لكل من يتأتَّى خطابه، والقول الأول يدل على أن المراد معاصروه لا آباؤهم، فيكون إطلاق قتل الأنبياء مجازًا؛ لأنهم لم يقتلوا أنبياء لكنهم رضوا ذلك وراموه.

والبشارة هي أول خبرٍ سارٍّ، فإذا استعملت مع ما ليس بسارٍّ، فقيل: هو على سبيل التهكُّم والاستهزاء. وقيل: هو على معنى تأثر البشرة من ذلك.

ولكن إذا قلنا إنها من باب التهكُّم استفيد بذلك زيادة الألم على هؤلاء المبشرين؛ كقوله تعالى في سورة الدخان: ﴿ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾ [الدخان: 47 – 49]، وهذه الجملة لا شك أنها ستبلغ في قلبه كل مبلغ؛ لأنه سيتذكر: أين العزة وأين الكرم؟! أين العزة التي بها أغلب؟! وأين الكرم الذي به أجود؟! فيكون أشد وقعًا وأشد تحسُّرًا.

﴿ بِعَذَابٍ ﴾ بعقوبة ﴿ أَلِيمٍ ﴾ مؤلم موجع. وفيه أنه ينبغي أن يعلن لهؤلاء الكفار بما أمر الله تعالى أن نبشرهم به ﴿ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾، والنبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنه كلما كانت الحكمة في تبشير هؤلاء بالعذاب الأليم بشرهم. وهكذا من ورث النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في العلم والدعوة ينبغي أن يبشر كل كافر بآيات الله بالعذاب الأليم، لكن يجب أن يكون هذا تابعًا للحكمة وتجنُّب المفسدة الأعظم.

﴿ أُولَئِكَ ﴾ هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس.

﴿ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ وحبوط الشيء: ذهابه وزواله وعدم الاستفادة منه. وَإِطْلَاقُ الْحَبَطِ على ذلك تمثيل بحال الإبل التي يصيبها الحبط؛ وهو انتفاخ في بطونها من كثرة الأكل، يكون سبب موتها، في حين أكلت ما أكلت للالتذاذ به.

وفيه أن الكفر محبط للعمل، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 217].

﴿ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ فهؤلاء حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة؛ فأما في الآخرة فظاهر؛ لأنهم لن يستفيدوا من أعمالهم، وإن كانت خيرًا؛ كالإحسان إلى الناس، فإن ذلك لا ينفعه في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ [الفرقان: 23].

وأما في الدنيا فلأنهم لمَّا لم يستفيدوا منها، صاروا كأنهم لم يعملوها، فأعمالهم لم تنفعهم. وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الزمر: 15].

﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ ﴾ جيء بمِن الدالة على تنصيص العموم؛ لئلا يُترَك لهم مدخل إلى التأويل ﴿ نَاصِرِينَ ﴾ مجيء الجمع هنا أحسن من مجيء الإفراد؛ لأنه رأس آية، ولأنه بإزاء المؤمنين من الشفعاء الذين هم الملائكة والأنبياء وصالحو المؤمنين؛ أي: ليس لهم كأمثال هؤلاء، والمعنى: انتفاء الناصرين انتفاء ما يترتب على النصر من المنافع والفوائد، وإذا انتفت من جمع فانتفاؤها من واحد أَوْلى، وإذا كان جمع لا ينصر فأحرى ألَّا يُنصَر واحِدٌ.

وفيه أن هؤلاء الكفار ليس لهم ناصر في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينصرهم من كان على شاكلتهم، ولكن هم ومن نصرهم مآلهم إلى الذل والخذلان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [المجادلة: 21].

ولما تقدم ذكر معصيتهم بثلاثة أوصاف ناسب أن يكون جزاؤهم بثلاثة، ليقابل كل وصف بمناسبه، ولما كان الكفر بآيات الله أعظم، كان التبشير بالعذاب الأليم أعظم، وقابل قتل الأنبياء بحبوط العمل في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا بالقتل والسبي وأخذ المال والاسترقاق، وفي الآخرة بالعقاب الدائم، وقابل قتل الآمرين بالقسط، بانتفاء الناصرين عنهم إذا حل بهم العذاب، كما لم يكن للآمرين بالقسط من ينصرهم حين حل بهم قتل المعتدين، كذلك المعتدون لا ناصر لهم إذا حَلَّ بهم العذاب.

فذكر تقبيح الأوصاف، والتوعُّد عليها بالعقاب، مما ينفر عنها، ويحمل على التحلِّي بنقائضها من الإيمان بآيات الله وإجلال رُسُله وأتباعهم.





Source link

أترك تعليقا

مشاركة
Top Must-Read Business Books for 2024 – Gartner
12 Best Cat Care Books: Vet-Approved Recommendations – Catster