تفسير سورة التوبة (الحلقة الثامنة) نشأة النفاق في المجتمع الإسلامي الأول


تفسير سورة التوبة (الحلقة الثامنة)

نشأة النفاق في المجتمع الإسلامي الأول

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

 

قال الله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ * لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ * إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ * قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ * قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ [التوبة: 42 – 54].

 

لا تغتر بِمُوالٍ لك محبٍّ متربِّحٍ بك غيرِ متضرر، في صعود نجمك وتمام أمرك، فالناس إلا من رحم ربي عبيد مصالحهم، وأسرعُ إلى إبطال أعمالهم إذا تحول الرخاءُ إلى شدة أو الشدةُ إلى رخاء، والأخذُ إلى عطاء والعطاءُ إلى أخذ، قال تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾ [العلق: 6، 7]، وأخرج ابن أبي حَاتِم عَن أبي العَالِيَة قال: “كَانَ أَصْحاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يرَوْنَ أَنه لَا يضر مَعَ لَا إِلَه إِلَّا الله ذَنْب كَمَا لَا ينفع مَعَ الشِّرك عمل، حَتَّى نزلت ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ﴾ [محمد: 33]، وعَن قَتَادَة رَضِي الله عَنهُ فِي الْآيَة نفسها قَالَ: “من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَلَّا يبطل عملًا صَالحًا بِعَمَل سوء فَلْيفْعَل، وَلَا قوَّة إِلَّا بِاللَّه، فَإِن الْخَيْر ينْسَخ الشَّرَّ، وإِنَّمَا مِلَاك[1] الْأَعْمَال خواتيمها”؛ لذلك كان إسلام من استُدْرِجَ بالإكرام والعطاء أضعفَ ممن استخلصه الإسلام من خلال الابتلاء والمعاناة، وكان إسلام الرعيل الأول ممن أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة أثبت وأقوى وأشد رسوخًا، فلم يظهر فيهم تردد أو ردة، وقد أوذوا واضطهدوا واضطروا للهجرة إلى الحبشة ثم إلى المدينة، فما ضعفوا وما استكانوا، فلما تكاثر المسلمون وأقبلت عليهم الدنيا، واندس في صفهم بعض من أسلم إيثارًا لسلامة أو مصلحة، أو تقيةً أو تمهيدًا لمكر يمكره أو غدر يعد له، وفشا في بعضهم الركون للدنيا بأثره في السلوك والأقوال والتصرفات والعلاقات والأخذ والعطاء، رصد القرآن الكريم هذه الظاهرة في بعضهم بقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ * هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ﴾ [محمد: 36 – 38]، وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يداري هذه الظاهرة، ويتألف أصحابها تثبيتًا لهم على الإيمان بالعطاء والإحسان، كما صرح بذلك بقوله: ((إني أعطي قريشًا لأتألَّفهم؛ لأنهم حديثو عهد بجاهلية))[2]، وقوله: ((إني أعطي قومًا أخاف ظلَعهم [3] وجزعهم، وأَكِلُ قومًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى))، إلا أن ذلك ما زاد الظاهرة إلا استفحالًا، ونشأت بها أورام خبيثة في المجتمع الإسلامي، أخذت تسعى لتخريبه من الداخل، والتآمر عليه مع أعداء الخارج، فاستحدث لها القرآن مصطلحًا جديدًا في اللغة العربية هو “النفاق”، طوَّره من أصل لغوي في البيئة العربية؛ إذ يتخذ اليربوع [4] لجحره عدة أبواب يغلق بعضها بساتر ترابي خفيف، فإذا دهمه الخطر لم يخرج من الأبواب المفتوحة المرئية، وإنما يضرب برأسه الباب المغلق بالساتر الخفيف فينتفق – أي: فينفتح – ويخرج فينجو، والعرب تسمِّي هذا الباب السري لليربوع “النُّفَقَة” بضم النون وفتح الفاء كهُمَزة، وظهر بذلك لفظ النفاق في القرآن والسنة بمعنى لم تعرفه العرب من قبل؛ إذ أطلق على الذي يستر كفره ويظهر إيمانه، والذي يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي دخل منه فيه، وكذلك المنافق حين يدعي الإيمان وباطنه كفر، ويدعي الصدق وقوله الكذب، ويدعي الإخلاص وسريرته الخيانة، كما في قوله تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ [المنافقون: 1]؛ لذلك أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يحذر مبكرًا من النفاق، تعريضًا وتصريحًا ويقول: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْقَطِيفَةِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَفِ))، ونزل القرآن الكريم ينهى عن الاتصاف بأخطر مقدماته ومسبباته بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾ [المعارج: 19 – 21]، وقوله عز وجل: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2، 3] وأخذ كرام الصحابة يحتاطون لأنفسهم من النفاق، ويراقبون أقوالهم وتصرفاتهم، ويحاسبون أنفسهم على الصغيرة والكبيرة، حتى إن حنظلة -رضي الله عنه – قال: لقيني أبو بكر – رضي الله عنه – وقال: “كيف أنت يا حنظلة؟” قلت: “نافق حنظلة”، قال: “سبحان الله ما تقول؟”، قلت: “نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأيُ العين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا (أي: لاعبنا) الأزواج والأولاد والضيعات؛ فنسينا كثيرًا”، قال أبو بكر: “فوالله، إنا لنلقى مثل هذا”، قال حنظلة: “فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: “نافق حنظلة يا رسول الله”، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما ذاك؟))، قلت: “يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ونسينا كثيرًا”، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة)) وكرر هذه الكلمة: ((ساعة وساعة)) ثلاث مرات[5].

 

لقد رمي بالنفاق أول الأمر في الصف المسلم عقب الهجرة إلى المدينة قليل من المسلمين في مكة أمروا بالهجرة فتخلَّفوا عنها لظروف قاهرة أو غير قاهرة، ولم يثبت في حقهم نفاق، ثم في المدينة ظهرت أعراضه في بعض من أسلم ولم يتخلص من عصبيته القبلية أو عزته بالإثم، كحال عبدالله بن أُبَيٍّ وذي الخويصرة التميمي والجد بن قيس السهمي وغيرهم، ثم اشتدت وضوحًا عقب فتح مكة وإقبال الناس على الإسلام فرادى وأفواجًا، واتساع رقعة أرض الإسلام، وظهور أثر ذلك في الصف نفاقًا خفيًّا أو صريحًا، جبنًا أو خيانة، بالقول أو العمل أو بهما معًا، في حالة السلم تشكيكًا وشغبًا ودسًّا وتآمرًا، وحالة الحرب تخذيلًا أو تخليًا وتخلُّفًا وتوليًا، فتصدَّى لها القرآن الكريم بالبيان والكشف والتحذير، ونزلت فيها وفي أهلها عشرات الآيات القرآنية، مثل قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ [محمد: 20، 21]، وقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [المائدة: 41].

 

كما تصدى لها الرسول صلى الله عليه وسلم بالبيان والشجب والتحذير متابعة منه صلى الله عليه وسلم لما ينزل من القرآن حذو القذة بالقذة، فقال: ((أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر))، ثم نزلت سورة التوبة فاستوعبت صفات المنافقين وأثر النفاق في المجتمع حربًا وسلمًا، حاضرًا ومستقبلًا، بدءًا من الآية الثانية والأربعين بقوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [التوبة: 42]، إلى قوله تعالى: ﴿ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ [التوبة: 87]، وأقامت بذلك الشهادة على الحالة الإيمانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية التي كان عليها المجتمع الإسلامي في السنتين الأخيرتين من حياته صلى الله عليه وسلم، وتشكلت بها ومنها نظمه واختياراته بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، لا سيما وقد ازداد فيها المنافقون جراءة على مقام النبوة عندما دعوا للخروج إلى الغزوات الأخيرة، فانهزم في حنين بعضهم عمدًا تخذيلًا لجيش المسلمين، لولا أن الله ثبَّتهم بالصادقين ونصرهم، وعند الدعوة للخروج إلى تبوك؛ إذ أبدى المنافقون ضروبًا من المعاذير والمراوغات والمناورات تبريرًا لتخلُّفهم عنها؛ بل وخرج بعضهم معه لتنفيذ مؤامرة اغتياله صلى الله عليه وسلم، وكشف الحق تعالى حقيقة إيمانهم ونواياهم بقوله للرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [التوبة: 42].

 

والآية بمطلعها هذا استئناف للحديث عن المنافقين ونقائضهم وسوء معاملتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبيل غزوة تبوك وبعدها، وامتداد لقوله تعالى قبلها في المتثاقلين عن الجهاد من المؤمنين بقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ﴾ [التوبة: 38].

 

ولفظ ﴿ عَرَضًا ﴾ [التوبة: 42]، بفتح العين والراء جمع عروض، وهو ما يُعَد متاعًا للحياة الدنيا، نقودًا وذهبًا وفضة ومَكِيلاتٍ وموزوناتٍ وغيرها مما له قيمة، وُصِف بالقريب؛ أي: سهل التناول والامتلاك، والسفر القاصد من القصد وهو اسْتِقَامَةُ الطَّرِيقِ وسهولتها، من قَصَد يَقْصِدُ قَصْدًا، فَهُوَ قاصِد، قال تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [النحل: 9]؛ أي: على الله تبيين الطريق المستقيم والهداية إليه، والسفر القاصد ما لا مشقة فيه ولا تعب ولا نصب، والشقة لغة من أصل واحد صحيح هو فعل “شق”، كما في معجم مقاييس اللغة، يدل على انصداع في الشيء، ثم يحمل عليه ويشتق منه استعارة، فيقال لنصف الشيء: شِقّ، ويقال للأخ: “الشقيق” مُشبَّهًا بخشبة جعلت شقين، ويقال للأمر الشديد كأنه يشُق المرء من شدته: مشقة، وللشَّظية تَشَظَّى من الخشبة: “الشِّقة” بالكسر، وللخلاف بين الناس “الشِّقاق”، ومنه قوله عز وجل: ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ ﴾ [النحل: 7]، ومنه “الشُّقة” بالضم على حرف الشين، وهي المسيرة المتعبة إلى الأرض البعيدة في قوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ﴾ [التوبة: 42] بالضمة على حرف العين في “بعُدت” وعُدِّيَ فعل “بعُدت” بحرف “على” لتضمنه فعل “ثَقُل”، قرأها عيسى بن عمر، والأعرج: “بَعِدَت” بكسر العين، وقرأ عيسى: “الشِّقَّة” بكسر الشين كذلك.

 

وحرف: ﴿ لَوْ ﴾ [التوبة: 42]، للشرط غير الجازم، و﴿ كَانَ ﴾ فعل ماضٍ ناقص مبنيٌّ على الفتح، حذف اسمها للدلالة عليه من سياق الجملة، و﴿ عَرَضًا ﴾ خبره منصوب بالفتحة الظاهرة، و﴿ قَرِيبًا ﴾ نعته، و﴿ سَفَرًا ﴾ معطوف على ﴿ عَرَضًا ﴾، و﴿ قَاصِدًا ﴾ نعته، واللام في ﴿ لَاتَّبَعُوكَ ﴾ رابط لجواب ﴿ لَوْ ﴾؛ أي: لو كان فيما دعوتهم إليه مكسب دنيوي قريب المنال أو شهوة نفس سهلة المأخذ تُجتنَى بدون تعب أو مشقة، لاستجابوا لدعوتك واتبعوك وخرجوا معك، ولكن ما تدعوهم إليه شاق متعب وبعيد عن هممهم الوضيعة، لا ترقى إليه أنفسهم الوطيئة، والطريق التي دعوتهم إليها واضحة مستقيمة، لا يتردد في اقتحامها إلا أحد ثلاثة: جبان رعديد يتنكبها اتقاء مخاطرها ومشاقها، أو كافر جاهل ختم على قلبه، أو منافق هو للكفر أقرب، وآفتهم كلهم في أفئدتهم الفارغة الجوفاء، ونفوسهم الرعشاء، وطباعهم اللئيمة، وجهلهم المكين.

 

وقد أوردت الروايات المنقولة نماذج من هؤلاء المنافقين الذين كانوا يحاولون تخريب الصف كلما حقق الإسلام اختراقًا في المجتمع الجاهلي، لا سيما وقد تجاوز النفاق في تلك الظروف الحالات الفردية إلى محاولة التكتل التآمري، كما وقع إذ أسلم عبدالله بن سلام، فغضب جمهور من اليهود، وظاهرَهم قوم منافقون من الأوس والخزرج كانوا يظهرون الإسلام مداراة لقومهم من الأنصار، وذكر ذلك ابن حزم مفصلًا في كتابه: “جوامع السيرة”، مستعرضًا أسماء كثير من المنافقين حسب انتمائهم القبَلي، قال: “ثم فرضت الزكاة بالمدينة حينئذٍ، وأسلم عبدالله بن سلام، وكفر جمهور اليهود، وظاهرَهم قوم من الأوس والخزرج منافقون، يظهرون الإسلام مداراة لجمهور قومهم من الأنصار، ويسرون ما يسخطون الله تعالى به من الكفر، فممن ذكر منهم من الأوس..ثم من بني لوذان بن عمرو بن عوف….إلخ”.

 

ويعقب الحق تعالى بلمحة من الغيب تكشف حقيقة نوايا المنافقين وخلفية أيمانهم الكاذبة، وتتوعَّد المخلفين بما يملأ قلوبهم ندمًا وحسرةً، وتبشِّر الرسول صلى الله عليه وسلم في الوقت نفسه بالنصر والتمكين، بقوله تعالى: ﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ﴾ [التوبة: 42]، للجهاد؛ أي: سوف تنتصرون على أعدائكم وتعودون إلى المدينة فيندم المخلفون، ويحاولون استرضاءكم بالحلف بالله كذبًا مؤكدين اضطرارهم للتخلف ﴿ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ [التوبة: 42]، وما هذه الأيمان منهم إلا زيادة إثم يهلكون به أنفسهم، في إشارة منه تعالى إلى أن اليمين الفاجرة تهلك صاحبها في الدنيا والآخرة ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [التوبة: 42]، كاذبون فيما ذكروه تبريرًا لتخلفهم قبل الغزوة، وفيما اعتذروا به بعد عودة الرسول صلى الله عليه وسلم منتصرًا، وفي أيمانهم الكاذبة التي غطوا بها خياناتهم، وإنما النفاق الذي استوطن قلوبهم هو الأصل في جميع مواقفهم وتصرفاتهم واختياراتهم، وهو ما بيَّنه الحق تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم من قبل وحيًا في سورة الفتح بقوله عز وجل: ﴿ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ﴾ [الفتح: 11، 12]، وهو موقفهم نفسه وندامتهم يوم لا تنفعهم الندامة في الآخرة ﴿ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [الحديد: 13 – 15].

 

لقد جبل الرسول صلى الله عليه وسلم على الحياء والرحمة والخلق الكريم وهو القائل: ((إن الله تعالى حيي سِتِّير يحب الحياء والستر))[6]، وقال عنه تعالى: ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]، وقال له: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، وكان المنافقون يستفيدون مما جبل عليه من هذه الأخلاق الحميدة فيحرجونه بالاستئذان للتخلف عن الجهاد بمختلف الأعذار، حتى بلغ عدد المأذون لهم قريبًا من الأربعين[7] أذن لهم بناء على أَيْمانهم ومواثيقِهم التي يقدمونها بين يديه، وما جبل عليه من الخلق الكريم، وما ملأ قلبه من الثقة بنصر الله والغنى عن نصرة المنافقين، وقد قال له ربه تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 54]، وقد أخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: إن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قيل لَهُ: ألا تغزو بني الْأَصْفَر لَعَلَّك أَن تصيب ابْنة عَظِيم الرُّوم؟ فَقَالَ رجلَانِ: قد علمت يَا رَسُول الله أَن النِّسَاء فتْنَة فَلَا تفتنا بِهن فأْذَن لنا، فَأذن لَهما، فَلَمَّا انْطَلقَا قَالَ أَحدهما: “إِن هُوَ إلا شحمة لأوّل آكل”[8]، فَسَار رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم ينزل عَلَيْهِ فِي ذَلِك شَيْء، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق نزل عَلَيْهِ وَهُوَ على بعض الْمِيَاه ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ ﴾ [التوبة: 42]، وَنزل عَلَيْهِ ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾ [التوبة: 43]، وَنزل عَلَيْهِ ﴿ لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [التوبة: 44].

 

إلا أن هذا الإذن لهم منه صلى الله عليه وسلم لم يكن مناسبًا لظروف المعركة وما يعلمه الله تعالى وحده من المآلات، ولما يريده عز وجل للمنافقين من تعرية وفضح وزراية؛ لذلك بادره عز وجل بالعفو عنه لقراره بالإذن لهم قبل عتابه بقوله: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ ﴾ [التوبة: 43]، رفقًا به ورحمة له وتهدئة لروعه وتأكيدًا لدوام رعايته وحفظه، ثم بيَّن ما كان ينبغي أن يعامل به المنافقين من التضييق عليهم حتى تنكشف نواياهم وحقائق نفاقهم وما يبيتونه لدعوة الإسلام وحركته الناهضة، بقوله تعالى: ﴿ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾ [التوبة: 43] في التخلف عن الجهاد ﴿ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ [التوبة: 43]؛ أي: ما كان لك أن تأذن لهم بما اعتذروا به من العجز المالي أو البدني أو الاجتماعي حتى تتبين صدقهم فيما أخبروك به ﴿ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴾ [التوبة: 43]، في ذلك فتنكشف لك وللمؤمنين مواقفهم ومكرهم وما يكيدون ويلفقون ويدبرون؛ ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتردد أحيانًا في تعيين أسماء بعض المنافقين إذا ما اقتضت الضرورة ذلك، ويخبر أحيانًا حذيفة رضي الله عنه بأسماء بعضهم ويستكتمه لضرورات سياسية أو عابرة، ونزل من رب العزة الحسم في أمرهم بتحريم إشراكهم في الجهاد مستقبلًا، وتحريم الصلاة عليهم أو القيام على قبورهم للترحم عليهم بقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ * وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [التوبة: 83، 84] بل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإغلاظ عليهم قبل نزول سورة التوبة بقوله عز وجل: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [التوبة: 73]، وبإخراج بعضهم من المسجد كما ذكر ذلك ابن هشام في سيرته بقوله: “وكَانوا يَحْضُرُونَ الْمَسْجِدَ فَيَسْتَمِعُونَ أَحَادِيثَ الْمُسلمين ويسخرون ويستهزئون بِدِينِهِمْ، فَاجْتَمَعَ يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ مِنْهُمْ نَاسٌ، فَرَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ، خَافِضِين أَصْوَاتَهُمْ، قَدْ لَصِقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُخْرِجُوا مِنْ الْمَسْجِدِ إخْرَاجًا عَنِيفًا، فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ، خَالِدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ كُلَيْب، إلى عمر بْنِ قَيْسٍ، أَحَدِ بَنِي غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ كَانَ صَاحِبَ آلِهَتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَذَ بِرِجْلِهِ فَسَحَبَهُ، حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَتُخْرِجُنِي يَا أَبَا أَيُّوبَ مِنْ مِرْبَدِ بَنِي ثَعْلَبَةَ، ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو أَيُّوبَ أَيْضًا إلى رَافِعِ بْنِ وَدِيعَةَ، أَحَدِ بَنِي النَّجَّارِ فَلَبَّبَهُ بِرِدَائِهِ ثمَ نَتَرَهُ نَتْرًا شَدِيدًا، وَلَطَمَ وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِن الْمَسْجِدِ، وَأَبُو أَيُّوبَ يَقُولُ لَهُ: “أُفٍّ لَكَ مُنَافِقًا خَبِيثًا، أَدْرَاجَكَ يَا مُنَافِقُ مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”، وَقَامَ عِمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ إلى زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ رَجُلًا طَوِيلَ اللِّحْيَةِ، فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَادَهُ بِهَا قَوْدًا عَنِيفًا حَتَّى أَخْرَجَهُ مِن الْمَسْجِدِ، ثُمَّ جَمَعَ عِمَارَةُ يَدَيْهِ فَلَدَمَهُ بِهِمَا فِي صَدْرِهِ لَدْمَةً خَرَّ مِنْهَا. قَالَ: يَقُولُ: “خَدَشْتَنِي يَا عِمَارَةُ”، قَالَ: “أَبْعَدَكَ اللَّهُ يَا مُنَافِقُ، فَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ مِن الْعَذَابِ أَشَدّ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا تَقْرَبَنَّ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”، وَقَامَ رَجُلٌ من رَهْطِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، يُقَالُ لَهُ عبدالله بْنُ الْحَارِثِ، إلى رَجُلٍ ذي جُمَّةٍ، فَأَخَذَ بِجُمَّتِهِ فَسَحَبَهُ بِهَا سَحْبًا عَنِيفًا، عَلَى مَا مَرَّ بِهِ مِنْ الْأَرْضِ، حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ. فقَالَ الْمُنَافِقُ: “لَقَدْ أَغْلَظْتَ يَا بن الْحَارِثِ”، فَقَالَ لَهُ: “إنَّكَ أَهْلٌ لِذَلِكَ؛ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ، فَلَا تَقْرَبَنَّ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّكَ نَجِسٌ”.

 

ثم عقب تعالى بالنهي الجازم عن الإذن للمؤمنين كافة بالتخلف عن الجهاد حتى تتبين أحوالهم فقال تعالى: ﴿ لَا يَسْتَأْذِنُكَ ﴾ [التوبة: 44] لا يسألك الإذن ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [التوبة: 44] حق الإيمان في التخلف عن ﴿ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ ﴾ [التوبة: 44] ينفقونها ﴿ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ [التوبة: 44]، يبذلونها؛ لأن مقتضى الإيمان الحق أن يبادر المؤمنون إلى تلبية نداء الجهاد إذا دعوا إليه واقتضت الحاجة إليه، وألا يعلقوه على الإذن به أو على عدم الإذن به؛ لأن الطريق إلى ما دعوا له واضحة مستقيمة، لا يتردد في اقتحامها إلا أحد ثلاثة: جبان رعديد يتنكبها اتقاء مخاطرها ومشاقها، أو كافر جاهل ختم على قلبه، أو منافق هو للكفر أقرب، وآفتهم كلهم في أفئدتهم الفارغة الجوفاء ونفوسهم الرعشاء وطباعهم اللئيمة، وجهلهم المكين، تلك طبيعتهم وذلك ديدنهم، قاعدة مضطردة في تمييز المؤمن من المنافق، لا تخطئ؛ لأن الذين يؤمنون باللّه واليوم الآخر حسابًا وجزاءً، جنةً ونارًا لا يترددون إذا نودي للجهاد، ولا يتلكؤون في تلبية دعوته، وإنما ينفرون إليه خفافًا وثقالًا، بأموالهم وأنفسهم وما يملكون، ثقة بوعد الله وخوفًا من وعيده، كما هو حال كرام الصحابة وعليتهم؛ إذ يسارعون للخروج ويشق عليهم فوته، وحال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مقدمتهم؛ إذ أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خروجه إلى تبوك بالبقاء في المدينة، فشق عليه ذلك، ولم يرض إلا بعد أن قال له: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى))[9]؛ وذلك لأن الأصل في المؤمن ألا يستأذن في القيام بالواجب، فضلًا عن أن يستأذن في عدم القيام به، والاستئذان في القيام بعمل فرضه الله دليل على شك السائل وتردده وضعف إيمانه، وقد ورد في الآثار أن رجلًا سأل أحد الصالحين: “أستأذنك في مجاهدة نفسي” فأجابه: ﴿ لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 44]؛ ولذلك عقب الحق تعالى بقوله: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾: المؤمنين الذين يخشون الله بالغيب، ويبادرون إلى الجهاد بالمال والنفس من غير تردد أو استئذان للتخلف عنه أو استئذان للإقبال عليه.

 

ثم بين الله تعالى له دخيلة نفس الذي يستأذن للتخلف عن الجهاد وحقيقة إيمانه، فقال عز وجل: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ﴾ [التوبة: 45]، يا محمد في التخلف ﴿ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [التوبة: 45]، الذين يكفرون بالله ربوبية وألوهية، وباليوم الآخر حسابًا وجزاءً، أما الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر فيقبلون على الجهاد ويحرصون على طلب الشهادة واستبدال نعيم الآخرة بالدنيا الفانية، ﴿ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ [التوبة: 45]: وشكت قلوبهم في مقتضى ذلك من الإيمان بالنبوة والوحي ﴿ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ [التوبة: 45]: في شكهم مضطربون حائرون ﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ ﴾ [التوبة: 46]، للجهاد بالنفس والمال ﴿ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ﴾ [التوبة: 46]، لأعدوا لذلك وسائله وأدواته ركوبة وسلاحًا وزادًا ومالًا ﴿ وَلَكِنْ ﴾ [التوبة: 46] لكفرهم وخبث طويتهم وفساد إيمانهم ﴿ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ ﴾ [التوبة: 46] لم يرض الله تعالى نهوضهم للجهاد حماية لك وللمسلمين من خياناتهم وغدرهم ومكرهم ﴿ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ [التوبة: 46]، فتخلى عنهم لإصرارهم على النفاق، ووكلهم إلى أنفسهم فاستحوذ عليهم الشيطان ﴿ وَقِيلَ ﴾ [التوبة: 46] لهم من قبل الشيطان وأوليائه: ﴿ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ [التوبة: 46]، اركنوا لبيوتكم مع القاعدين.

 

ثم بيَّن تعالى مخاطر انبعاثهم على نفاقهم للجهاد، تنفيرًا من مشاركتهم فيه، وتزهيدًا في نصرتهم للمسلمين، فقال تعالى: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ﴾ [التوبة: 47]، لو خرجوا معكم وفي صفكم للجهاد ﴿ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا ﴾ [التوبة: 47]، والخبال لغة يعني الاضطراب والجنون واختلاط العقل، ومنه ما أصاب المسلمين في غزوة حنين إذ بادر بعض ضعاف الإيمان ومن التحق بجيش المسلمين من المنافقين وبعض مسلمة الفتح باصطناع الهزيمة في أول المعركة وفروا، فاضطرب الصف واختبل واختلط الحابل بالنابل [10] وانهزم أكثر الجنود، لولا أن ثبت الله الرسول صلى الله عليه وسلم وكبار الصحابة، فالتأم جمعهم، وختم الله لهم بالنصر، وكما وقع في غزوة تبوك إذ حاولت عصابة من المنافقين خرجت فيها، اصطناعَ اضطراب في العقبة في أثناء العودة تغتال تحت غطائه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: ﴿ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا ﴾ [التوبة: 47]؛ أي: ما زادوكم فائدة ترتقبونها أو نصرة ترجونها؛ بل يزيدونكم بخروجهم معكم فتنًا وضعفًا واضطراب صف واختلاط رأي صل واحد كما في معجم مقاييس اللغة تدل فساد ﴿ وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ ﴾ [التوبة: 47]، والإيضاع هو أن تحمل دابتك أو سيارتك على السرعة القصوى في السير فتحدث بها اضطرابًا وفوضى، من: “وَضعَ” البعيرَ وأوضعه إِذا حمله راكبه على سرعة السيْرِ، ضدُّه التبطئة التي يتعمدها المنافقون أحيانًا في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 72]، قَالَ الأَزهري: “الإِيضاعُ أَن يُعْدِيَ بعيرَه ويَحْمِلَه عَلَى العَدْوِ الحَثِيث، أو يعدي دابته من دون رفقائه فيُحدِث فيهم اضطرابًا واختلالًا”، ومنه حديث حذيفة بن أسيد: “شر الناس في الفتنة الراكب المُوضِع”، كما يفعل بعض المراهقين والمتعجِّلين والمتوترين والمدسوسين في حركات الصحوة الإسلامية الجادة المعاصرة؛ إذ يجعلونها بين إيضاع يورطها في معارك هامشية، أو تبطئة تؤخرها عن موعدها الذي ترصده، وَالْخِلَالُ: جَمْعُ خَلَلٍ وهو الفرجة أو الفجوة بين شيئين، استعيرت للتعبير عن محاولة المنافقين الإخلال بالتحام المجاهدين فيما بينهم، ﴿ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ﴾ [التوبة: 47]، قوله: ﴿ يَبْغُونَكُمُ ﴾؛ أي: يريدون لكم، يقال بمعنى واحد: “ابغني وابغ لي”، قال الأصمعي: ابغني كذا؛ أي: اطلبه لي، وقيل: إن ابن عباس كان إذا عزم على السفر البعيد قال: “ابغني سفيهًا”؛ أي: ليواجه به السفهاء في الطريق، والفتنة الإخلال بصفِّ المجاهدين، وتشتيت تفكيرهم وخلخلة موافقهم؛ أي: يرومون بإيضاعهم خلالكم فتنتكم عن الجهاد بالجدل والخصام والتنازع ﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ [التوبة: 47]، والحال أن فيكم ضعاف إيمان يثقون بهم ويطيعونهم، ونمَّامين يسمعون حديثَكم وينقلونه إليهم، ومحبين لهم يصدقونهم ويغضبون لهم ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [التوبة: 47] الكافرين بجميع أصنافهم، شركًا أو نفاقًا، يعلمهم سبحانه علمًا محيطًا بسرائرهم وظواهرِهم، وما يخفون وما يعلنون، وما فعلوا من قبل وما يفعلون من بعد.

 

ثم في التذكير بإصرار عصابات المنافقين على إثارة الفتن عقب الحق تعالى بقوله: ﴿ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ ﴾ [التوبة: 48]، وقوله: ﴿ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ ﴾؛ أي: سعوا من قبل إلى أن يزرعوا في صفِّكم بذور الخلاف والاختلاف والتمزُّق بالشبهات والإيضاع والتبطئة والتناجي بالإثم والتنافس على الغنائم والمكاسب، كما في رواية ابن هشام قال: حدثني زياد بن عبدالله، قال: حدثنا ابن إسحاق: قال: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد عن أبي سعيد الخُدْري قال: لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها شيء وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم؟ حتى كثرت منهم القالة حتى قال قائلهم: لقد لقي والله رسول الله قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة، فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم، لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء، قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي. قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة. قال: فخرج سعد، فجمع الأنصار في تلك الحظيرة. قال: فجاء رجال من المهاجرين فتركهم، فدخلوا، وجاء آخرون فردهم. فلما اجتمعوا له أتاه سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: ((يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم، وَجِدَة وجدتموها عليَّ في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألَّف الله بين قلوبكم؟))، قالوا: بلى، الله ورسوله أمَنّ وأفضل. ثم قال: ((ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟))، قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل. قال صلى الله عليه وسلم: ((أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصُدِّقتم: أتيتنا مكذبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لُعاعة من الدنيا تألفتُ بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار))، قال: فبكى القوم حتى أخضلت لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسمًا وحظًّا، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا.

 

وآخر ذلك مواقف التخذيل التي اتخذها المنافقون عند النداء لغزوة تبوك، وحركات التبطئة والجدل التي أثيرت حول جيش أسامة رضي الله عنه، والرسول صلى الله عليه وسلم على أبواب الآخرة [11]، وبقي هذا حال المنافقين من غير توبة ﴿ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ ﴾ [التوبة: 48]، النصر من الله على المشركين في الجزيرة وعلى أدنى الأرض في الشام وفلسطين وأغوار الأردن ﴿ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 48]، وعلا الإسلام وانتصر على ديانات الشرك كلها ﴿ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ [التوبة: 48]، وأهل الشرك والنفاق كارهون لانتصار المسلمين وظهور الإسلام، قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ [الفتح: 28]، وقال عز وجل: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 33].

 

ثم أخذ الوحي الكريم يفضح نماذج من خزايا اعتذارات المنافقين عن المشاركة في الجهاد بالمال والنفس بقوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ﴾ [التوبة: 49]؛ أي: ائذن لي بعدم المشاركة في حرب الروم، كي لا أرى نساء الروم، فأفتن بجمالهن وأقع في المعصية ﴿ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ﴾ [التوبة: 49]، ولكنهم بسؤالهم هذا قد وقعوا فيما هو أشد وأخطر مما احترزوا منه، وقعوا في النفاق والكفر ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ [التوبة: 49]، إن مآلهم يوم القيام جهنم تحيط بهم من كل جانب، ولا مخرج لهم منها، ولقد دأب على انتحال مثل هذه الأعذار وغيرها عدد غير قليل من المنافقين، منهم الجَدّ بن قيس بن صخر الخزرجي، المكنى أبا عبدالله؛ إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء الإعداد لغزوة تبوك: ((هل لك يا جدُّ العامَ في جِلاد بني الأصفر؟))، فقال: “يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتني؟ فوالله، لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبًا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألَّا أصبر عنهن”، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ((قد أذنت لك))[12]، فجاءه‌ ابنه‌ عبدالله بن‌ الجدّ، وكان‌ بدريًّا،، فقال‌ لأبيه‌: “لِمَ تردّ علی‌ رسول‌ الله‌ مقالته‌؟ فو الله‌ ما في‌ بَنِي‌ سَلمة‌ أكثر مالًا منك‌ ولا تخرج‌ ولا تحمل‌ أحدًا؟”[13]، فقال‌ الجَدّ: “يا بُني‌َّ، ما لي‌ وللخروج‌ في‌ الريح‌ والحرّ والعسرة‌ إلى بني‌ الأصفر؟ والله‌ ما آمن‌ خوفًا من‌ بني‌ الأصفر، وإنّي‌ في‌ منزلي‌ بخُرْبى‌ فأَذهب‌ إلیهم‌ فأغزوهم‌، إنّي‌ والله‌ يا بني‌ عالم‌ بالدوائر”. فأغلظ‌ له‌ ابنه‌ فقال‌: “لا والله‌، ولكنّه‌ النفاق‌، والله‌ لينزلنَّ علی‌ رسول‌ الله‌ صلى الله‌ علیه‌ وسلم‌ فيك‌ قرآن‌ يقرأونه”، فقال الجد بن قيس: “قد علمت الأنصار أني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكن أعينك بمالي”، فنزل فيه قول الله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ [التوبة: 49].

 

ثم كشف الوحي الكريم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يضمره له المنافقون من حقد وحسد وكراهية، فقال تعالى: ﴿ إِنْ تُصِبْكَ ﴾ [التوبة: 50]، يا محمد ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ [التوبة: 50]، خير من ربك أو مكرمة أو توفيق لصالح عمل أو نصر أو غنيمة ﴿ تَسُؤْهُمْ ﴾ [التوبة: 50]، تغيظهم ويتمنون زوالها ﴿ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ ﴾ [التوبة: 50]، في سلمك أو حربك ﴿ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ ﴾ [التوبة: 50] قد احتطنا في أمرنا معه فلم يصبنا ما أصابه ﴿ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ﴾ [التوبة: 50]، وينقلبون إلى بيوتهم وأهلهم شامتين مستحمدين ما فعلوا، فرحين بما مكروا، وفي هذا أخرج ابْن أبي حَاتِم عَن جَابر بن عبدالله قَالَ: جعل المُنَافِقُونَ الَّذين تخلفوا بِالْمَدِينَةِ – عن غزوة تبوك – يخبرون عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخْبَار السوء يَقُولُونَ: إِن مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه قد جهدوا فِي سفرهم وهلكوا، فَبَلغهُمْ تَكْذِيب حَدِيثهمْ وعافية النَّبِي وَأَصْحابه فساءهم ذَلِك، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ… ﴾ [التوبة: 50] الآية، وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله تعالى: ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾: إن أظفرك الله وردك سالمًا ساءهم ذَلِك وغاظهم ﴿ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا ﴾ [التوبة: 50]، بحزم فِي القعود عن الجهاد فلم يصبنا ما أصابك ﴿ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ﴾ [التوبة: 50] ويعرضون عنك شامتين بك، فرحين بنجاتهم مما أصابك، وهي كلها مواقف وتعبيرات عن جهل متمكن في عقول المنافقين ونفوسهم، وخواء إيماني في قلوبهم، رسخته كراهيتهم للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لذلك نزل الوحي الكريم يلقن رسول الله صلى الله عليه وسلم الموقفَ الإيماني السليم من كل ما يلقاه المؤمن بذلًا أو جهادًا أو عملًا صالحًا أو ابتلاء في حياته الخاصة والعامة والردّ الحاسم على مواقفهم وشماتاتهم بقوله تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾ [التوبة: 51]؛ أي: قل يا محمد للشامتين بك فيما أصابك أو يصيبك: نحن موقنون بأن الله تعالى قد كتب لنا ما أصابنا ويصيبنا، اختبارًا وحكمة في الدنيا وجزاء حسنًا للصابرين في الآخرة، وفي ذلك قال صلى الله عليه وسلم: ((لكل شَيْء حَقِيقَة وَمَا بلغ عبد حَقِيقَة الإِيمان حَتَّى يعلم أَن مَا أَصَابَهُ لم يكن ليخطئه وَمَا أخطأه لم يكن ليصيبه))[14] ﴿ هُوَ مَوْلَانَا ﴾ [التوبة: 51] هو الله سيدنا المتحكم في أمرنا، لا يكلنا إلى أحد من خلقه طرفة عين، نؤمن به ونتوكل عليه ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة: 51] ولن يخيب أبدًا مؤمن آمن به وتوكَّل عليه ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ﴾ [التوبة: 52] وحروف الراء والباء والصاد في قوله تعالى: ﴿ تَرَبَّصُونَ ﴾ أصل واحد يدل على الانتظار، من رَبَص الشيء ربصًا، وتربص به؛ أي: انتظر به خيرًا أو شرًّا، وكذلك تربص الشيءُ به، والحُسنَيَان هما الظفر والشهادة؛ أي: قل للمنافقين الذين كلما أوذيتم في الله شمتوا بكم وزعموا أنكم ألقيتم بأنفسكم إلى التهلكة، وكلما انتصرتم قالوا: ﴿ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ ﴾ [الأنفال: 49] إنكم لا تنتظرون منا في حقيقة الأمر إلا إحدى عاقبتين حُسْنَيَيْن هما النصر والظفر في الدنيا، أو الشهادة في سبيل الله بنعيمها في الآخرة، وكلاهما محبب إلينا ونسألهما الله ربنا، ﴿ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ ﴾ [التوبة: 52] ولكننا نحن ننتظر بكم أحد مآلين كلاهما شر لكم ﴿ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ ﴾ [التوبة: 52] كما هي سنته في أمثالكم من الكفرة الظالمين والمشركين المعتدين والأقوام السالفة عاد وثمود وغيرهم ﴿ أَوْ بِأَيْدِينَا ﴾ [التوبة: 52] أو بعذاب نذيقكموه بسيوفنا قتلًا أو أسرًا، وبين ما نتربصه بكم وما تتربصونه بنا فَرْق كبير ﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ [التوبة: 52] فانتظروا عاقبة ما أنتم فيه ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ﴾ [التوبة: 52] إنا معكم منتظرون.

 

وعن كراهية المنافقين للإنفاق في سبيل الله إعدادًا للحرب أو زكاة أو صدقة، ومَنِّهم به قال تعالى لرسوله الكريم: ﴿ قُلْ ﴾ [التوبة: 53] لهم يا محمد: ﴿ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴾ [التوبة: 53] سواء أنفقتم ما فرض عليكم مكرهين أو راضين ﴿ لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ﴾ [التوبة: 53] فلن يقبل الله منكم ذلك ولن يكون لكم أجره ﴿ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 53] كافرين والكفر مطلقًا يحبط الأعمال ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ ﴾ [التوبة: 54] وما حرمهم من ﴿ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ ﴾ [التوبة: 54] بجميع أنواعها وأقدارها ﴿ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ﴾ [التوبة: 54] ولو أظهروا الإيمان بالله ورسوله نفاقًا وتقيةً ﴿ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى ﴾ [التوبة: 54] ولا يؤدون الصلاة إلا مكرهين مرائين متثاقلين؛ لأن باعثهم عليها مجرد النفاق والحرص على إخفاء الكفر المكين في قلوبهم ﴿ وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ [التوبة: 54] كارهون بذلها، مكرهون على إنفاقها، فهم ما بين خوف من عار الامتناع وحرص على تجنب الفضيحة، والله تعالى لا يقبل إلا ما كان طيبًا وطيبة به النفس وابتغي به وجهه سبحانه.

 

 


[1] مِلاكُ الشيء بكسر الميم ككِتاب: ما يقوم به، قِوَامه ونظامه ومعتمده.
[2] صحيح الألباني.
[3] قوله صلى الله عليه وسلم: ((وَأعْطي أَقْوَامًا أَخَاف ظَلَعهم)) كَذَا فِي البُخَارِيِّ بالظاء مَفْتُوحَة؛ أَي: أخاف ميلَهم وَمرضَ قُلُوبهم وَضعفَ إِيمانهم. الظَّلَع في الدابة هو الغمز أو العرج في رِجْلها.
[4] اليَرْبُوع جمع يَرَابِيع أو الجرْبُوع جمع جَرَابِيع: حيوان ثديي من القوارض، صحراوي وجبلي، وثَّاب؛ لامتلاكه أرجلًا طويلة يقفز بها، من عادته أن يتخذ لجُحْره أبوابًا متعددة يموه بها عند تعرضه للخطر.
[5] صحيح، أخرجه مسلم والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
[6] صحيح الألباني.
[7] يضاف إليهم المنافقون الذين تخلفوا عنه من غير إذن، وحوالي اثني عشر خرجوا معه صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وحاولوا اغتياله، وثلاثمئة منهم تخلوا عنه مع عبدالله بن أبي يوم أُحُد.
[8] شحمة لأوّل آكل: ليِّنُ العريكة، سهل الانقياد، من سبق إليه أخذ منه مكسبًا.
[9] كلفه صلى الله عليه وسلم بالمحافظة على أمن المدينة ورعاية من فيها من النساء والأطفال والمخلفين لعذر شرعي مرضًا أو عجزًا أو شيخوخة، ولمراقبة حركة المنافقين ومن تخلف منهم عن الغزوة لإتمام بناء مسجد الضرار مع أبي عامر الراهب الذي سمَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الفاسق”.
[10] يقال: (اختلط الحابل بالنابل) والحابل وهم الفرسان الذين يمسكون الحبال التـي تنقاد بها الخيول والجمال في الحروب القديمة، النابل هم الفرسان الرُّماة بالنبال والرماح، فإذا ارتبك الجيش واختل الصف اختلط الراجلون بالراكبين، والرماة بأصحاب السيوف، والذي يركب جملًا أو يقتاده بالذي يركب حصانًا أو يعدو عليه.
[11] بل إن أبا بكر لما صمم على تسيير جيش أسامة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وقيل لعمر: “قل له فليؤمِّر علينا غير أسامة”، فذكر له عمر ذلك، فيقال: إنه أخذ بلحيته وقال: ثكلتك أمك! أؤمر غير أمير رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ثم نهض بنفسه إلى الجرف فاستعرض جيش أسامة، وأمرهم بالمسير، وسار معهم ماشيًا، وأسامة راكب.
[12] تفسير ابن كثير.
[13] أي: لا تخرج للجهاد ولا تدفع‌ حصانك‌ وبعيرك‌ إلی‌ آخر فيخرج عليه للجهاد في سبيل الله.
[14] أخرجه أَحْمد عَن أبي الدَّرْدَاء رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وصححه الألباني.





Source link

أترك تعليقا

مشاركة
المسيح ابن مريم عليه السلام (4)
الزكاة لأهل غزة