ركائز صلاح الأبناء عند الصالحين


ركائز صلاح الأبناء عند الصالحين

 

يقول ربُّنا – تبارك وتعالى -: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾ [آل عمران: 33 – 38].

 

وفي هذه الآيات الكريمات فوائدُ تربويةٌ إيمانية عظيمة؛ فهي آيات تُضِيء لنا في زمن التحدِّيات الصعبِ الطريقَ إلى غايَة جليلة، يَسعَى إليها الآباءُ والمربُّون، ويبذلون من أجلها الجهودَ والأوقاتِ والأموال، وهذه الغايَة هي فلاح وصلاح الأبناء في الدنيا والآخرة.

 

ولا يكاد أبٌ يعي المسؤولية المُلقَاة على عاتِقِه تجاه ابنه، إلا وهو يلتَفِت يمنةً ويسرة بحثًا عن كلِّ سببٍ ينجيهما يوم العَرْض على الله، فهو لا يَزال يَتراءَى له قول الله – تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ [التحريم: 6]، ولا يَزال يقرَع سمعَه قولُ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته))؛ رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر.

 

لكنَّنا وإن تعمَّقنا في الأخْذ بالأسباب وصِناعة الحلول، كثيرًا ما نُغفِل الجذور الباعِثة لوُجود النشْء الصالح وَفْقَ سنن الله – تعالى – الكونية أو الشرعية، وقد جاءَت هذه الآياتُ بجملةٍ من المعاني الإيمانيَّة المُبيِّنة للرَّكائِز الأساسيَّة في رحلة التربية الشاقَّة.

 

وفي ضوء هذه الآيات، جاء ذكرُ كلِّ أركان تربية الأبناء، فالبيت أولاً هو بيت آل عمران، والمجتمع المُحِيط والمُقرَّب من البيت هو مجتمع زكريا وأهل الصلاح، والمُربِّي هو عمران وزوجه أمُّ مريم ثم زكريا، والمُربَّى هي مريم، ثم ثمرة التربية وهي صَلاح مريم المُصطَفاة، التي ستُصبِح في كبرها سيِّدة نساء قومها.

 

دلالة الاصطفاء:

يقول ربُّنا – تعالى -: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ﴾ [آل عمران: 33 – 34]، يُخبِر – تعالى – أنَّه اصطَفَى واختار مِن ضمن مَن اختار بيتَ آل عمران، الذي هو أبو مريم – رضي الله عنهما – وجعَل – تعالى – مَن اصطَفَى ممَّن ذكَر يُشبِه بعضُهم بعضًا في الدين والخُلُق.

 

وهذا الاصطِفاء إنما كان لعلم الله – تعالى – بما انطَوَتْ عليه هذه النفوسُ الشريفة من إرادة الخير وحبِّه، فعمران وزوجُه اصطَفاهما الله، فأخرَج منهما مريمَ الطيِّبة الكريمة، وفي هذا حثٌّ لنا على إصلاح البواطن؛ حتى نَنال ما نال هؤلاء.

 

كما أنَّ فيه تفسيرًا لما نَراه من توارُث الخير في البيوت الكريمة الشريفة، وتوارُث الشرِّ في البيوت اللئيمة الخبيثة، حتى إنَّك ترى من عُلَماء الإسلام مَن أبوه وجدُّه من العلماء، ومَن هو وأبوه وجدُّه من القُضَاة، وتجد في النَّقِيض من أهل الفَساد في زماننا مَن هو وأبوه وجدُّه من أهل الغناء والمجون! فهذه ذريَّة بعضها من بعض، وتلك ذريَّة بعضها من بعض، وكان محمد بن المنكدر يقول: “إنَّ الله – تعالى – لَيَحفظُ بالرجل الصالح ولدَه وولدَ ولدِه، ومَسرُبته التي هو فيها، والدويرات التي حولها، فلا يزالون في حفْظ الله وسترِه”.

 

وكان سعيد بن المسيب يقول لولده: “إني لأَزِيد في صلاتي من أجلك؛ رجاءَ أن أُحْفَظَ فيك”، ويتلو قوله – تعالى -: ﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ﴾ [الكهف: 82]، ولهذا المعنى جاء بعدَ هذه الآيات قولُ الملائكة لمريم – عليها السلام -: ﴿ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 42]، فناسَب أن تشبه مريم أبويها في الاصطفاء كما شابهتهما في الدِّين والأخلاق، ثم يُخرِج الله – تعالى – من مريم عيسى – عليه السلام.

 

كما أنَّ في دلالة الاصطِفاء حَثًّا للشباب والفتيات على التمسُّك في اختِيار الزوج أن يكون صالحًا، والزوجة أن تكون صالحة؛ فالزوج الصالح مظنَّة الولد الصالح، والزوجة الصالحة مظنَّة الولد الصالح، والعكس.

 

نذر الأبناء لله:

يقول ربنا – تعالى -: ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [آل عمران: 35]، يُخبِر – تعالى – عن أمِّ مريم أنها نذرت له – عز وجل – ما في بطنها خالِصًا له وحدَه، ثم دعَتْه – تعالى – أن يتقبَّل منها نذرَها؛ فهو السميع لها، العليم بحالها.

 

وفي هذا بيانٌ لقضيَّة الأبناء عند الصالحين، وأنها من تَمام وكمال عبوديَّتهم لله – تعالى – وحدَه، والمُتدبِّر في قول أمِّ مريم: ﴿ فَتَقَبَّلْ مِنِّي ﴾ يستَشعِر أنَّ كلَّ همِّها كان في تقبُّل اللهِ نذرَها، ولم يكن في حقيقة النذر نفسه؛ إذ كان النذر ذاتُه أمرًا منتهيًا عندها، ونحن إنما يشقُّ علينا ابتِداءً استِحضار وتطبيق هذا المعنى؛ معنى نذر الأبناء لهذا الدين، فضلاً عن استِحضار خوفِنا من ردِّهم علينا، ورفض قَبُول الله لهم جنودًا وحُماة لدينه.

 

فنحن في الحقيقة كثيرًا ما نمنُّ على الله – تعالى – في عمليَّة تربيَة الأبناء وفْق شرع الله – تعالى – ونحن لا ندري، وكان الواجِب هو إنزال عملية التربية مَنزِلة العمل الصالح، الذي يخشَى صاحبُه أن يردَّه الله عليه ولا يقبله.

 

وحقيقة نذر الابن خالِصًا لله – تعالى – علامةٌ على فهْم العبوديَّة وحسن تصوُّرها، كما هو علامة على صدْق المربِّي في قضيَّته، وصُوَر هذا النذر تختَلِف كثيرًا في واقِعنا الآن، لكنَّها تجتَمِع في النهاية تحت رايَة الاستِعمال على طاعة الله ومرضاته، فلا يضرُّ المربِّي أي باب وُفِّق فيه المربَّى، ما دام سَيرُه لله وحدَه، وقضيَّته في قلبه حيَّة.

 

وكان من ألطَف ما جاء في دعاء أمِّ مريم قولها: ﴿ مُحَرَّرًا ﴾؛ أي: خالِصًا لكَ، فعبَّرتْ بالتحرير عن ترْك الدنيا وشواغلها، والْتزام طاعة الله وخدمة بيته، فكأنَّ مريم – عليها السلام – حُرِّرت بخلوصها لله وحدَه، وفي هذا تجلية لحقيقة العبوديَّة لله – عز وجل – وأنها عين الحريَّة المأمولة، وأنَّ إطلاقَ العِنان للنفس وشهواتها وأهوائها رقٌّ لشياطين الإنس والجن، وعبوديَّةٌ للنفس الأمَّارة بالسوء.

 

إنك أنت السميع العليم:

تقول أم مريم – رضي الله عنهما – بعد دعائها اللهَ أن يتقبَّل منها نذرها: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾؛ أي: السميع للدعاء المستجيب له، العليم بحالي وما انطَوَى عليه قلبي من صدق وإخلاص.

 

وكان بعضهم يقول: “ليس شيء أنفعَ لأبناء العلماء والصالحين من كثرة الدعاء لهم، مع تفويض أمرهم لله”، فللدعاء أكبرُ الأثَر في العوْن على تربية الأبناء وعلى صلاحهم، ونحن كثيرًا ما نبذل كلَّ ما في الوسع، ثم لا يقدِّر الله – تعالى – مرادنا، هنالك نتسلَّى بالدُّعاء رجاءَ الإجابة، واستِئناسًا بلذَّة القرب والمُناجَاة.

 

دوام الصلة:

قول الله – تعالى -: ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ [آل عمران: 36]، يستَشعِر القارئ لهذه الآية دَوام صِلَة أمِّ مريم بالله – تعالى – فهي حتى بعد أنْ وضعتْ مريم تُناجِي ربَّها – تعالى -: ﴿ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ﴾، ثم تقول له: ﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾.

 

وهكذا ينبغي أن يكون المربِّي دائمَ الصلة بالله ودائم القُرْب منه، فالله – تعالى – مأواه وركنه في سرَّائه وضرَّائه، يَشكُره إذا أنعَم، ويدْعوه ويشتكي إليه إذا ابتَلَى، وبِدَوام الصِّلَة بالله يتحقَّق للعبد قربُ الله منه في الشدائد والنازلات، كما قال النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – لابن عباس – رضِي الله عنهما -: ((تعرَّف إلى الله في الرخاء، يعرِفْك في الشدَّة))؛ رواه الحاكم والطبراني في “الكبير”، وصحَّحه الألباني في “صحيح الجامع”.

 

عوِّذه بالله من كلِّ شرٍّ:

وقول أمِّ مريم: ﴿ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾؛ أي: وإنِّي أُعَوِّذ مريمَ وذريَّتها بك من الشيطان الرجيم؛ إذ أنت وحدَك مَن بيدك ردُّ كيد الشيطان عن الإنسان، وفي هذا تبرُّؤ المربِّي من الحول والقوَّة، وفيه فقهُه بأعظم العَداوات مطلقًا؛ عداوة الشيطان للإنسان.

 

ثمرة الخير:

قوله – تعالى -: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾، كان نتيجة ما تقدَّم من اصطِفاء الله لآل عمران، ونتيجة دعاء ونذر منهم لله – تعالى – ودَوام صلة وقرب منه، واستِعاذة به – عز وجل – ومن أعظم الفضل من الله – تعالى – المستوجِب لكثيرِ الشُّكر من العبد أن يُنِبت الله – تعالى – الابن نباتًا حسنًا، فتَحسُن ديانته وأخلاقه.

 

تسخير الخير:

قوله – تعالى -: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ [آل عمران: 37]؛ أي: جعَل اللهُ زكريا كفيلاً لمريم – عليهما السلام – فأيُّ خير يحصل لمريم في كفالة نبيٍّ كريم لها، تتَرَعرَع في كنفه، وتتعلَّم منه، وتقتَدِي به؟

 

وهكذا يسخِّر الله لنا في هِدايَة الأبناء ما لا نحتَسِب، وما لا ننتَظِر، فنحن نأخُذ بالأسباب الصحيحة ونرجو، ثم يسخِّر الله لنا بعدَ ذلك ما شاء من أسباب الخير ومفاتيح الهداية.

 

نهاية مُشرِقة:

يقول – تعالى -: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [آل عمران: 37]، صَلاح الأبناء ثمرة التربية الإيمانية، وقد اجتَمَع لمريم ما كفل لها الولاية، فضلاً عن سائر مراتب الإيمان ومقامات العباد، فقد قِيل: كان زكريا يدخل على مريم في الصيف فيجد عندها فاكهة الشتاء! ويدخل عليها في الشتاء فيجد عندها فاكهة الصيف! فيقول لها: ﴿ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا؟ ﴾، فتقول: ﴿ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾!

 

نبراس هداية:

قول الله – تعالى -: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾ [آل عمران: 38]؛ أي: لما رأى زكريا – عليه السلام – ما عليه مريم من الدِّيانة والولاية والكرامة، تمنَّى على الله – تعالى – الذريَّة الطيِّبة.

 

وهذا غاية كلِّ مربٍّ في الحقيقة؛ أن يكون الصلاح سمَة ابنِه ومُربِّيه، فيكون قدوة لغيره، ونِبراسَ هداية للناس جميعًا، وهذا إنما هو من عاجِل بُشرى الله للأب والمربِّي في هذه الحياة الدنيا: أن تقرَّ عينُه بابنه، ثم يكون ابنُه من آثاره الطيِّبة بعد موته.

 

والحمد لله ربِّ العالمين، وصلِّ اللهم وسلِّم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.





Source link

أترك تعليقا

مشاركة
جامعة القاهرة تقيم معرضا للكتاب بمشاركة مجموعة كبيرة من دور النشر – اليوم السابع
11 Must-Read Digital Transformation Books in 2024 – TechTarget