موافقات عمر رضي الله عنه وأعماله الأولية


موافقات عمر رضي الله عنه وأعماله الأولية

موافقات عمر رضي الله عنه وأعماله الأولية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

ففي هذه الجولة سنكون في صحبة الرجل الثاني في الإسلام، بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وبعد أبي بكر الصديق، هذا الرجل الذي قرن اسمه بالعدل والحق، والقوة والشجاعة، والزهد والورع، والتقوى والمراقبة، والخوف من الله والبكاء من خشيته، والفراسة والذكاء، ودقة النظر والبصيرة، ويقظة الضمير، وقهر هوى النفس.

الاسم والتعريف:

هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح، القرشي العدوي أبو حفص أمير المؤمنين، وأمه حنتمة بنت هاشم المخزومية.

ولد بعد الفجار الأعظم بأربع سنين وذلك قبل المبعث النبوي بثلاثين سنة.

وكان إليه السفارة في الجاهلية، وكان عند المبعث شديدًا على المسلمين، ثم أسلم فكان إسلامُه فتحًا على المسلمين وفرجًا لهم من الضيق، قال عبدالله بن مسعود: وما عبدنا الله جهرةً حتى أسلم عمر.

طعنه أبو لؤلؤة الإيراني وهو يؤمُّ الناس في صلاة الفجر بالمسجد النبوي في أواخر شهر ذي الحجة من عام 23هـ وصلى عليه صهيب الرومي رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ودفن في حجرة عائشة رضي الله عنها بجوار النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر الصديق بعد أن استأذن السيدة عائشة -كما سيأتي في الحديث عند البخاري- وذلك صباح الأحد غرة المحرم من عام 24هـ، وكانت خلافته عشر سنين وخمسة أشهر وأحد وعشرين يومًا.

وإليكم فيما يلي نبذة من سيره ومناقبه رحمه الله رحمةً واسعةً ورزقنا – الأمة الإسلامية- أميرًا يحذو حذوه، ويقتدي بسيرته.

أكثروا ذكر عمر- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-:

عن ابن عباس- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: أكثروا ذكر عمر، فإن عمر إذا ذكر ذكر العدل، وإذا ذكر العدل ذكر الله.

عمر بن الخطاب قبل الإسلام وشدة عدائه له:

صفاته البدنية:

قال الديار بكري: [قال] في الرياض النضرة قال ابن قتيبة: الكوفيون يرون أن عمر آدم[1] شديد الأدمة.

وقال أبو عمرو: كان [عمر] كثَّ اللحية، أعسر، يسر، شديد الأدمة.

وهكذا وصفه رزين بن حبيش وغيره؛ يعني: شديد الأدمة، وعليه الأكثر.

وقال أبو رجاء العطاردي: كان عمر طويلًا جسيمًا أصلع، شديد الصلع..سبلته كثيرة الشعر، في أطرافها صهبة.

وزاد في دول الإسلام: إذا حزبه أمر فتلها، وكان أحول.

وعن سماك بن حرب قال: كان عمر أروح كأنه راكب والناس يمشون[2].

صفة جلوسه:

أخرج ابن سعد عن الزُّهْري أنه قال: كان عمر بن الخطاب يجلس متربعًا، ويستلقي على ظهره، ويرفع إحدى رجليه على الأخرى[3].

إنه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

القرشي العدوي، كناه النبي – صلى الله عليه وسلم – بأبي حفص.

قال ابن الجوزي: «واعلم أن عمر – رضي الله عنه – ممن سبقت له الحسنى، وكان مقدمًا في الجاهلية والإسلام»[4].

وقال ابن كثير: «وكان متواضعًا في الله، خشن العيش، خشن المطعم، شديدًا في ذات الله، يُرقِّع الثوب بالأديم، ويحمل القِرْبَة على كتفيه، مع عظم هيبته، ويركب الحمار عُرْيًا، والبعير مخطومًا بالليف، وكان قليل الضحك لا يمازح أحدًا، وكان نقش خاتمه: كفى بالموت واعظًا يا عمر .. ».

إسلامه – رضي الله عنه -:

أسلم عمر – رضي الله عنه – في السنة السادسة من البعثة النبوية، وكان عمره سبعًا وعشرين سنة، وشهد بَدْرًا وأُحُدًا والمشاهد كلها مع النبي – صلى الله عليه وسلم – وخرج في عدة سرايا، وكان أميرًا على بعضها، وكان ممن ثبت يوم أُحُد مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو أحد السابقين الأوَّلين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد أصهار النبي – صلى الله عليه وسلم – وأحد كبار علماء الصحابة وزُهَّادهم.

اعتبر إسلامه – رضي الله عنه – بمثابة بداية مرحلة جديدة من مراحل الدعوة؛ ولذلك قال ابن مسعود – رضي الله عنه -: ما زلنا أعِزَّةً منذ أسلم عمر.

وجاء إسلامه – رضي الله عنه – بسبب دعوة النبي – صلى الله عليه وسلم – فعن ابن عمر أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «اللهم أعِزَّ الإسلام بأحَبِّ هذين الرجلين إليك: بأبي جهل، أو بعمر بن الخطاب»، وكان أحبهما إليه عمر؛ [رواه أحمد والترمذي، وقال: حسن صحيح].

هجرته – رضي الله عنه -:

وكان – رضي الله عنه – قويًّا يوم هجرته، فقد قال علي بن أبي طالب – رضي الله عنه -: ما علمت أحدًا من المهاجرين إلا هاجر مختفيًا، إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما هَمَّ بالهجرة تقلَّد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهمًا، ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعًا متمكنًا، ثم أتى المقام، فصَلَّى ركعتين، ثم وقف على الحِلَقِ واحدةً واحدةً، وقال لهم: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمُّه، ويُيَتَّم ولده، وتُرمَّل زوجه، فليلقني وراء هذا الوادي، قال عليٌّ: فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم وأرشدهم ومضى لوجهه.

قال ابن الجوزي: «قويت شدة عمر في الدين، فصلبت عزائمه، فلما حانت الهجرة، تسللوا تسلُّل القطا، واختال عمر في مشية الأسد، فقال عند خروجه: ها أنا أخرج إلى الهجرة، فمن أراد لقائي، فليلقني في بطن هذا الوادي»[5].

في فضائله ومناقبه – رضي الله عنه -:

رجل من أهل الجنة:

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر. قلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر، فذكرت غيرتك، فوليت مدبرًا» فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟ [متفق عليه].

علم عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -:

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «بينا أنا نائم شربت – يعني اللبن – حتى أنظر الرِّيَّ يجري في أظافري، ثم ناولته عمر». قالوا: فما أوَّلْتَه يا رسول الله؟ قال: «العلم»؛ [متفق عليه].

دين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- واستقامته:

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «يا بن الخطاب، والذي نفسي بيده! ما لقيك الشيطان سالكًا فَجًّا قط، إلا سلك فَجًّا غير فَجِّك»؛ [متفق عليه].

وعن أبي سعيد الخُدْري – رضي الله عنه – قال: سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول:: «بينا أنا نائم، رأيت الناس عرضوا عليَّ وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض عليَّ عمر وعليه قميص يجره» قالوا: فما أوَّلْتَه يا رسول الله؟ قال: «الدين».

رسالة عمر – رضي الله عنه -:

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «لقد كان فيمن كان قبلكم من الأمم ناس محدثون، من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي أحد، فإنه عمر»؛ [متفق عليه].

علوُّ منزلته – رضي الله عنه -:

وعن عقبة بن عامر – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «لو كان من بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب»؛ [رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني].

صدقه – رضي الله عنه -:

عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه»؛ [رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني].

شدة اتِّباعه:

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «أرأف أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدُّهم في دين الله عمر»؛ [رواه أبو يعلى، وصحَّحه الألباني].

وعن حذيفة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر»؛ [رواه الترمذي، وصححه الألباني].

موته – رضي الله عنه – شهيدًا:

عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: صعد النبي – صلى الله عليه وسلم – أُحُدًا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فضربه برِجْله وقال: «اثبت أُحُد، فإنما عليك نبي وصِدِّيق وشهيدان»؛ [رواه البخاري]، والشهيدان هما عمر وعثمان رضي الله عنهما.

موافقاته للقرآن – رضي الله عنه -:

قال السيوطي: قد أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين.

وقال مجاهد: كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن.

1) موافقات عمر للقرآن الكريم:

كان عمر من أكثر الصَّحابة شجاعةً، وجرأةً، فكثيرًا ما كان يسأل الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن التَّصرُّفات الَّتي لم يدرك حكمها، كما كان رضي الله عنه يبدي رأيه، واجتهاده بكلِّ صدقٍ، ووضوحٍ، ومن شدَّة فَهْمه، واستيعابه لمقاصد القرآن الكريم نزل القرآن الكريم موافقًا لرأيه- رضي الله عنه- في بعض المواقف، قال عمر رضي الله عنه: وافقت الله تعالى في ثلاثٍ، أو وافقني ربي في ثلاثٍ؛ قلت: يا رسول الله، لو اتَّخذت مقامَ إِبراهيم مُصلًّى، وقلت: يا رسول الله، يدخل عليك البرُّ، والفاجر، فلو أمرت أمَّهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله تعالى آية الحجاب، قال: وبلغني معاتبة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بعض نسائه، فدخلت عليهنَّ، قلت: إِن انتهيتنَّ، أو ليبدِّلنَّ الله رسوله صلى الله عليه وسلم خيرًا منكنَّ، حتَّى أتيتُ إِحدى نسائه قالت: يا عمر، أما في رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما يعظ نساءه، حتَّى تعظهنَّ أنت؟! فأنزل الله آية الحجاب.

2) موافقته في ترك الصَّلاة على المنافقين:

قال عمر: لمَّا توفي عبدالله بن أُبيٍّ دُعي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- للصَّلاة عليه، فقام إِليه، فلمَّا وقف عليه يريد الصَّلاة، تحوَّلتُ حتَّى قمت في صدرهِ، فقلت: يا رسول الله، أعَلَى عدوِّ الله عبدالله بن أُبيٍّ القائل يوم كذا وكذا: كذا وكذا- يعدُّ أيَّامه- قال: ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- يتبسَّم، حتَّى إِذا أكثرتُ عليه، قال: «أخِّر عني يا عمر، إِني خيِّرت، فاخترت، قد قيل لي: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ [التوبة: 80]، لو أعلم أنِّي إِن زدت على السَّبعين؛ غفر له؛ لزدتُ». قال: «ثمَّ صلَّى عليه، ومشى معه، فقام على قبره حتَّى فُرغ منه. قال: فعجب لي، وجرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إِلا يسيرًا حتَّى نزلت هاتان الآيتان: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ لو أعلم أنِّي إِن زدت على السَّبعين غفر له؛ لزدتُ». قال: ثمَّ صلَّى عليه، ومشى معه، فقام على قبره حتَّى فُرغ منه. قال: فعجب لي، وجرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إِلا يسيرًا حتَّى نزلت هاتان الآيتان: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ﴾ [التوبة: 84] إِلى آخر الآية، فما صلَّى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعده على منافقٍ، ولا قام على قبره حتَّى قبضه الله عزَّ وجل.

3 ـ موافقته في أسرى بَدْر:

قال عمر رضي الله عنه:… فلمَّا كان يومئذٍ فهزم الله المشركين، فقُتل منهم سبعون رجلًا، وأُسِر منهم سبعون رجلًا، فاستشار رسول الله أبا بكرٍ، وعليًّا، وعمر، فقال أبو بكر: يا نبيَّ الله، هؤلاء بنو العمِّ، والعشيرة، والإِخوان، فإِنِّي أرى أن تأخذ منهم الفداء، فيكون ما أخذنا منهم قوَّةً لنا على الكفَّار، وعسى الله أن يهديهم، فيكونوا لنا عضدًا! فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: ما ترى يا بن الخطاب؟! فقال: قلت: والله ما أرى رأي أبي بكر! ولكنِّي أرى أن تمكِّنني من فلانٍ- قريبٍ لعمر- فأضرب عنقه، وتمكِّن عليًّا من عقيلٍ، فيضرب عنقه، وتمكِّن حمزة من فلانٍ أخيه فيضرب عنقه، حتَّى يعلم الله: أنَّه ليس في قلوبنا هوادةٌ للمشركين، هؤلاء صناديدهم، وأئمتهم، وقادتهم. فهوي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلت، فأخذ منهم الفداء.

فلمَّا كان من الغد، قال عمر: غدوت إِلى النَّبيِّ- صلى الله عليه وسلم- فإِذا هو قاعدٌ، وأبو بكرٍ، وإِذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبُك؟ فإِن وجدت بكاءً بكيت، وإِن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما! قال: قال النَّبيُّ- صلى الله عليه وسلم-: «الذي عَرَضَ عليَّ أصحابك من الفداء، ولقد عُرض عليَّ عذابُهم أدنى من هذه الشَّجرة»- لشجرةٍ قريبة- وأنزل الله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ﴾ [الأنفال: 67] إِلى قوله:﴿ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ ﴾ [الأنفال: 68] من الفداء.

ثم أحلَّ لهم الغنائم، فلمَّا كان يوم أُحُد من العام المقبل، عوقبوا بما صنعوا يوم بَدْرٍ من أخذهم الفداء، فقُتِل منهم سبعون، وفرَّ أصحاب النَّبيِّ- صلى الله عليه وسلم- عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكُسِرَت رباعيَته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ﴾ [آل عمران: 165] إلى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 165] بأخذكم الفداء.

4ـ موافقته في الاستئذان:

أرسل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم غلامًا من الأنصار إِلى عمر بن الخطَّاب، وقت الظَّهيرة؛ ليدعوه، فدخل عليه، وكان نائمًا، وقد انكشف بعض جسده، فقال: اللَّهمَّ حرِّم الدُّخول علينا في وقت نومنا! وفي (روايةٍ) قال: يا رسول الله، وددت لو أنَّ الله أمرنا، ونهانا في حال الاستئذان… فنزلت: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ﴾ [النور: 58].

5ـ عمر ودعاؤه في تحريم الخمر:

قال عمر: لمَّا نزل تحريم الخمر؛ قال: اللَّهُمَّ بيِّن لنا في الخمر بيانًا شفاءً! فنزلت هذه الآية الَّتي في البقرة: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 219] قال: فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللَّهمَّ بيِّن لنا في الخمر بيانًا شفاءً! فنزلت الآية الَّتي في النِّساء: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ [النساء: 43]، فكان منادي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إِذا أقام الصَّلاة نادى ألَّا يقربن الصَّلاة سكران، فدُعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللَّهمَّ بيِّن لنا في الخمر بيانًا شفاءً! فنزلت الآية الَّتي في المائدة، فدُعي عمر، فقرئت عليه، فلمَّا بلغ ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: 91] قال عمر: انتهينا، انتهينا!

وهكذا خضع تحريم الخمر لسُنَّةِ التدريج، وفي قوله: فهم عمر من الاستفهام الاستنكاري بأن المراد به ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾؛ لأن هذا الاستفهام أقوى وأقطع في التحريم من النهي العادي، فقط ألفاظ الآية وتركيبها وصياغتها تهديد رهيب واضح كالشمس في التحريم.

6ـ إِلمامه بأسباب النُّزول:

حفظ عمر القرآن كلَّه في الفترة الَّتي بدأت بإِسلامه، وانتهت بوفاة الرَّسول- صلى الله عليه وسلم- وقد حفظه مع أسباب التَّنزيل إِلا ما سبق نزوله قبل إِسلامه، فذلك ممَّا جمعه جملةً، ولا مبالغة إِذا قلنا: إِنَّ عمر كان على علمٍ بكثير من أسباب التَّنزيل، لشدَّة اتِّصاله بالتَّلقِّي عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثمَّ هو قد حفظ منه ما فاته، فإِنْ يلمَّ بأسباب النُّزول والقرآن بِكْرُ التنزيل، والحوادث لا تزال تَتْرَى؛ فذلك أمرٌ يسيرٌ.

وقد كان عمر سببًا في التنزيل لأكثر من آيةٍ، بعضها متَّفقٌ على مكِّيته، وبعضها مدنيٌّ، بل كان بعض الآيات يحظى من عمر بمعرفة زمانه، ومكانه على وجهٍ دقيق، قال عن الآية الكريمة: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]، والله إِنِّي لأعلم اليوم الَّذي نزلت على رسول الله، والسَّاعة الَّتي نزلت فيها على رسول الله عشيَّة عرفة في يوم الجمعة.

وقد كان عمر- وحده، أو مع غيره- سببًا مباشرًا في تنزيل بعض الآيات، منها قول الله تعالى: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ… عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾[التوبة: 19 ـ 22].

وفي الصَّحيح: أنَّ رجلًا قال: لا أبالي ألا أعمل عملًا بعد الإِسلام إِلا أن أعمر المسجد الحرام، فقال عليُّ بنُ أبي طالبٍ: الجهاد في سبيل الله أفضل من هذا كلِّه، فقال عمر بن الخطاب: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله، ولكن إِذا قُضِيَت الصَّلاة، سألته عن ذلك، فسأله، فأنزل الله هذه الآية، فبيَّن لهم: أنَّ الإِيمان والجهاد أفضل من عمارة المسجد الحرام، والحجِّ، والعمرة، والطَّواف، ومن الإِحسان إِلى الحجَّاج بالسِّقاية؛ ولهذا قال أبو هريرة رضي الله عنه: لأن أرابط ليلةً في سبيل الله أحبُّ إِليَّ من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود.

7ـ سؤاله لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن بعض الآيات:

كان عمر- رضي الله عنه- يسأل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن بعض الآيات، وأحيانًا أخرى يسمع صحابيًّا يستفسر من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن بعض الآيات، فيحفظها، ويعلِّمها لمن أراد من طلاب العلم، فعن يَعْلى بن أميَّة، قال: سألت عمر بن الخطاب، قلت: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [النساء: 101]، وقد أمن الله النَّاس؟ فقال لي عمر: عجبتُ ممَّا عجبتَ منه، فسألت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فقال: «صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته».

وقد سُئِل عمر بن الخطاب عن هذه الآية: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ [الأعراف: 172]، فقال عمر: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سُئل عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الله خلق آدم، ثمَّ مسح ظهره بيمينه، واستخرج منه ذرِّيَّةً، فقال: خلقت هؤلاء للجنَّة، وبعمل أهل الجنَّة يعملون، ثمَّ مسح ظهره فاستخرج منه ذرِّيَّةً، فقال: خلقت هؤلاء للنَّار، وبعمل أهل النَّار يعملون»، فقال رجل: يا رسول الله، ففيمَ العمل؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ الله- عزَّ وجلَّ- إِذا خلق العبد للجنَّة؛ استعمله بعمل أهل الجنَّة حتَّى يموت على عملٍ من أعمال أهل الجنَّة، فيدخله به الجنَّة، وإِذا خلق العبدَ للنَّار؛ استعمله بعمل أهل النَّار حتَّى يموت على عملٍ من أعمال أهل النَّار، فيدخله به النَّار».

ولمَّا نزل قول الله تعالى: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ [القمر: 45] قال عمر: أي جمعٍ يهزم؟ أيُّ جمعٍ يُغلَب؟ قال عمر: فلمَّا كان يوم بَدْر رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يثبت في الدِّرع، وهو يقول: فعرفت تأويلها يومئذٍ.

8 ـ تفسير عمر لبعض الآيات وبعض تعليقاته:

كان عمر يتحرَّج في تفسير القرآن برأيه؛ ولذلك لمَّا سُئل عن قوله تعالى: ﴿ وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ﴾ [الذاريات: 1]؟ قال: هي الرياح، ولولا أنِّي سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقوله ما قلته، قيل: ﴿ فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا ﴾ [الذاريات: 2]؟ قال: السَّحاب، ولولا أنِّي سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقوله ما قلته، قيل: ﴿ فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا ﴾ [الذاريات: 3]؟ قال: السُّفن، ولولا أنِّي سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقوله ما قلته، قيل: ﴿ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا ﴾ [الذاريات: 4]؟ قال: هي الملائكة، ولولا أنِّي سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقوله ما قلته.

وكان رضي الله عنه له منهجٌ في تفسيره للآيات، فإِنَّه رضي الله عنه إِذا وجد لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- تفسيرًا؛ أخذ به، وكان هو الأفضل مثل ما مرَّ معنا من تفسيره، وإِذا لم يجد طلبه في مظانِّه عند بعض الصَّحابة مثل: ابن عباسٍ، وأبيِّ بن كعب، وعبدالله بن مسعود، ومعاذ، وغيرهم- رضي الله عنهم- وهذا مثالٌ على ذلك؛ فقد قال عمر- رضي الله عنه- يومًا لأصحاب النَّبيِّ- صلى الله عليه وسلم-: فيمَ ترون هذه الآية نزلت: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [البقرة: 266]، قالوا: الله أعلم! فغضب عمر، فقال: قولوا: نعلم، أو لا نعلم، فقال ابن عبَّاسٍ: في نفسي منها شيءٌ يا أمير المؤمنين! قال عمر: يا بن أخي، قل، ولا تحقر نفسك. قال ابن عباس: ضربت مثلًا لعملٍ. قال عمر: أيُّ عملٍ؟ قال ابن عباس: لعملٍ. قال عمر: لرجلٍ غنيٍّ يعمل بطاعة الله عزَّ وجل، ثمَّ بعث الله له الشَّيطان، فعمل بالمعاصي حتَّى أغرق أعماله. وفي روايةٍ: قال ابن عبَّاس: عنى بها العمل، إِنَّ ابن آدم أفقر ما يكون إِلى جنَّته، إِذا كبر سنُّه، وكثر عياله، وابن آدم أفقر ما يكون إِلى عمله يوم يبعث، فقال عمر: صدقت يا بن أخي!

وكانت له بعض التَّعليقات على بعض الآيات مثل قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 156، 157]، فقال: نِعْمَ العدلان، ونعم العلاوة! ويقصد بالعدلين: الصَّلاة والرَّحمة، والعلاوة: الاهتداء.

وسمع القارئ يتلو قول الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾ [الانفطار: 6]، فقال عمر: الجهل. وفسَّر قول الله تعالى: ﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ [التكوير: 7] بقوله: الفاجر مع الفاجر، والطَّالح مع الطَّالح، وفسَّر قول الله تعالى: ﴿ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ [التحريم: 8]، بقوله: أن يتوب، ثمَّ لا يعود، فهذه التَّوبة الواجبة التَّامَّة.

وذات يوم مرَّ بدير راهبٍ، فناداه: يا راهب، فأشرف الرَّاهب. فجعل عمر ينظر إِليه، ويبكي. فقيل له: يا أمير المؤمنين، ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله عز وجل في كتابه: ﴿ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴾ [الغاشية: 3، 4]، فذاك الَّذي أبكاني. وفسَّر الجبت بالسِّحر، والطاغوت بالشَّيطان في قوله تعالى: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ﴾ [النساء: 51].

أولياته – رضي الله عنه -:

هو أول من دعي أمير المؤمنين.

وأول من كتب التاريخ الهجري.

وأول من عسَّ[6] بالليل في المدينة.

وأول من فتح الفتوح ومصَّر الأمصار، وجنَّد الأجناد، ووضع الخراج، ودَوَّن الدواوين، وفرض الأعطية، واستقضى القضاة.

وأول من ضرب في الخمر ثمانين.

وأول من اتَّخذ الدِّرَّة وأدَّب بها، حتى قيل بعده: لدِرَّة عمر أهيبُ من سيوفكم.

وهو الذي وضع القناديل في المساجد في رمضان، حتى قال فيه علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – نوَّر الله على عمر في قبره كما نوَّر علينا في مساجدنا.

قال ابن سعد: اتخذ عمر دارًا للدقيق، فجعل فيها الدقيق والسويق والتمر والزبيب وما يحتاج إليه: يعين به المنقطع، ووضع فيما بين مكة والمدينة بالطريق ما يصلح من ينقطع به.

وزاد في المسجد النبوي ووسَّعه وفرشه بالحصباء.

وهو الذي أخرج اليهود من الحجاز إلى الشام، وأخرج أهل نجران إلى الكوفة[7].

الفتوحات في عهده – رضي الله عنه -:

فتح من الشام: دمشق، والأردن، وبيسان، وطبرية، والجابية، والرملة، وعسقلان، وغزة، والسواحل، والقدس، وبعلبك، وحمص، وقنسرين، وحلب، وأنطاكية.

وفتح مصر، والإسكندرية، وطرابلس الغرب، وبرقة.

وفتح من الجزيرة الفراتية: حران، والرها، والرقة، ونصيبين، ورأس عين، وشمشاط، وعين وردة، وديار بكر، وديار ربيعة، وبلاد الموصل وما جاورها.

وفتح من العراق والمشرق: القادسية، ونهر سير، وساباط، ومدائن كسرى، وكورة الفرات، ودجلة، والبصرة، والأهواز، وفارس، ونهاوند، وهمذان، والري، وقومس، وخراسان، وإصطخر، وأصبهان، والسوس، ومرو، ونيسابور، وجرجان، وأذربيجان وغير ذلك. وقطعت جيوشه نهر جيحون مرارًا[8].

وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


[1] الآدم من الناس: الأسمر، والجمع الأدمان. والأُدْمة بضم الهمزة، وإسكان الدال: السمرة، الأمهق الذي يشبه لونه لون الجص لا يكون له دم ظاهر.

[2] تاريخ الخميس: 2/ 240، الاستيعاب: 2/ 461، بهامش الإصابة لابن حجر. تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص 130.

[3] الطبقات: 3/ 210.

[4] التبصرة (1/ 415).

[5] التبصرة (1/ 419).

[6] عس: طاف بالليل؛ أي: ليحرس الناس، ويكشف أهل الريبة.

[7] تاريخ الخلفاء، ص (128).

[8] ترتيب وتهذيب البداية والنهاية ص (8 ، 9).





Source link

أترك تعليقا

مشاركة
ولدي أصغر الأبناء
مختصر أحكام صلاة الجمعة (PDF)