نظرية الذكاء المتعدد


نظرية الذكاء المتعدد

في عام 1983 خرَج لنا د. هاورد جاردنر بنظرية متبلورة عن “الذكاء المتعدد”، أطاحَت بنظرية “المعامل العقلي”، والتي تَقيس نسبة الذكاء من خلال المعادلة المعروفة: العمر العقلي على العمر الزمني، وضَرْب الحاصل في مائة، وهي النظرية المتمثِّلة في اختبار “بينه”، والاختبارات الأخرى المُنبثقة عنه، كاختبار ستانفورد – بينه، أو اختبار كسلر وغيره، والتي تَقيس قدرة المفحوص في استيعاب قدرٍ مُحدَّدٍ من المهارات المنطقيَّة والرياضية واللغويَّة، بَيْدَ أنها لا تستطيع أن تكشفَ الكثير عن كينونة الشخص، أو عن قُدرته في التعامل مع مشكلاته الحياتيَّة بوَجْه عام، فهي رغم تعدُّد أشكالها وأساليبها، تتشابه في مضمونها بشكلٍ جوهري.

 

إنها تعتمد مقياسًا واحدًا، ولا تنظر على الإطلاق للإنسان باعتباره كيانًا معقَّدًا متآلفًا من عناصر متنوعة، متراكبةٍ بشكلٍ يَصعُب معه الفصل بينها، أو تجريدها من بِنيتها الثريَّة تمامًا.

 

قدَّمت نظرية “الذكاء المتعدِّد” عدة انتقادات لنظرية “المعامل العقلي“، تمثِّل برأيها أوجه قصور أساسية لها، وقد اتَّخذت هذه الانتقادات مسارين: أحدهما شكلي، والآخر جوهري، ومن أهم هذه الانتقادات أنَّ نظرية “المعامل العقلي” تقدِّم أسئلة يجب على المفحوص إجابتها بطريقة موجَزة تتَّسم بالسطحيَّة، كأن يختار إجابة واحدة من بين عدة إجابات مقترحة، أو أن يقومَ بإجراء قياس بسيط غير مركَّب، وهذه الآليَّة لا تَسمح للشخص بأن يعبِّر عن نفسه، ولا عن أفكاره، وبالتالي لا يمكن أن نعتبرَها حُكمًا على مدى ذكائه من عدمه، فضلاً عن أن نعتبرَها مقياسًا لنسبة ذكائه الحقيقيَّة من الأساس، كما أنَّ أسئلة هذا الاختبار تحاول قياس قدرة الطالب في استيعاب المواد الدراسية التي يتعيَّن عليه تحصيلُها، ولكنها لا تقدِّم تصوُّرًا شاملاً متكاملاً عن مختلف استعداداته وقدراته العقلية.

 

باختصار: لا تستطيع نظرية “المعامل العقلي” تفسير ملكات ومواهب كثيرة يَمتلكها المرء؛ فالكفاءة المهنيَّة التي يتمتَّع بها بعض الأفراد، يصعُب ردُّها إلى مصدر واحد، وهو الذكاء المجرَّد أو البحت، كما أنَّ المفهوم التقليدي عن الذكاء يقف عاجزًا عن تقديم تفسير مقنعٍ لها.

 

لا يمكن التسليم جدلاً – بأيِّ حال من الأحوال – أنَّ الفرد يولد بإمكانيَّة محدَّدة من الذكاء، يصعب تجاوزها أو تغييرها، ومن غير المقبول أن نسلِّمَ بأن العامل الوراثي هو العامل الأكثر حسمًا في موضوع الذكاء، والذي يفوق تأثيره تأثيرَ بقيَّة العناصر الأخرى بمراحل كثيرة، لقد قوبِلَت مثل هذه الأفكار بانتقاد بالغٍ منذ عشرينيات القرن الماضي، وقبل اكتمال نظرية “الذكاء المتعدِّد” نفسها، ففي الثلاثينيات أثْبَت فريق من العلماء أنَّ للذكاء ستةَ مظاهر مستقلة تمامًا عن بعضها البعض، وفي الستينيات قدَّم فريق آخر من العلماء 120 شكلاً للذكاء، تَمَّ زيادتها لتُصبح 150 صورة له، كما اقترَح بعض العلماء 3 مكونات رئيسية للذكاء: المكون الأول يُطلِق عليه البعض: الذكاء الأكاديمي، ويتعلق بالقدرة على الحساب، وفَهْم القضايا العلمية المتخصِّصة، والثاني يتعلَّق بالقدرة على فَهْم السياق: الذكاء العملي، والثالث يرتبط بالقدرة على الاستجابة للمواقف الجديدة، وابتكار حلول غير مسبوقة للتكيُّف معها: الذكاء الإبداعي.

 

انبَثَقت نظرية “الذكاء المتعدد” لجاردنر من خلال أبحاث ميدانيَّة، تَمَّ إجراؤها على عيَّنات من الأطفال المُتمتِّعين بمواهب خاصة، وفي الوقت ذاته بَدَوا بلا قدرات عقلية مميزة في حقول المعرفة التقليدية الأخرى، إلى الدرجة التي تَمَّ تصنيف بعضهم فيها في بعض الأحيان على أنهم معاقون ذهنيًّا، كما أُجْرِيَت تلك الأبحاث على فئات من المرضى الذين عانوا من أنواع مختلفة من التلف الدماغي، وأظهروا في ذات الوقت نبوغًا ملحوظًا في بعض الحقول المعرفيَّة غير التقليديَّة عقب إصابتهم بتلك الأمراض، وهو الأمر الذي أوْحَى لجاردنر ولفريق عمله بأنَّ الذكاء متعدِّدٌ وليس واحدًا، بل هو في حقيقة الأمر مجموعة من المَلَكات والقدرات المُنفصلة عن بعضها البعض في كثير من الأحيان، والتي يعمل كلٌّ منها بشكلٍ يكاد يكون مستقلاًّ عن الآخر.

 

نظرية “الذكاء المتعدِّد” لا تقترح أنَّ للذكاء جذورًا وراثية أو بيئية، إنها تقدِّم منظورًا جديدًا طازجًا للذكاء، إن صحَّ التعبير، فهي تعتبره شكلاً من أشكال حلِّ المشكلات، أو القدرة على الإنتاج، وتَرفض المفهوم الخاص بالذكاء الكلي لدى الإنسان، وتَقترح أنَّ الإنسان العادي يمتلك سبعة عناصر مستقلة من الذكاء الإنجازي، وهي: الذكاء اللفظي أو اللغوي، ذكاء الرياضيَّات والقدرات المنطقيَّة، ذكاء المكان والفراغ، الذكاء الفني ويتعلَّق بالمواهب والقدرات الابتكاريَّة، الذكاء الجسمي أو الحركي – الكلي أو الجزئي – والذي يوجد عادة عند الرياضيين، أو الجرَّاحين وأمثالهم، الذكاء الاجتماعي أو التفاعلي، والذي يوجد عادة عند السياسيين والمعلِّمين، ويتعلَّق بالقدرة على فَهْم الآخرين، وملاحظة الفروق بين الناس، وإدراك دوافعهم الخفيَّة، الذكاء الذاتي ويتعلَّق بمدى فَهْم الإنسان لنفسه وصِدقه في التعامل مع رغباته ودوافعه المُضمرة.

 

ترتكز هذه النظرية على الفرد كمعيار داخلي، يُحَدِّد مدى ذكائه، وهى تؤكِّد على أنَّ لكل فرد نمطًا مميزًا يَجعله مختلفًا عن الآخرين، وهذا النمط يتشكَّل من مجموعة من نقاط الضَّعف والقوة التي تتبايَن وَفْقًا لظروف داخليَّة وخارجية عديدة يمرُّ بها هذا الفرد، وتطوير شخصية كلِّ إنسان تَعتمد على فَهْم كامل لطبيعة تلك الشخصية بنقاط قوَّتها وضَعفها، وليس في قَوْلَبتها داخل أحد قوالب التحليل الجاهزة المعدَّة سلفًا، وقد تجلَّت أهميَّة هذه النظرية في مجال التعلُّم والتربية والتعليم، وأسْهَمَت في تطوير مفهومين أساسيين، وهما:

أولاً: يتفاوَت البشر كثيرًا في قُدراتهم واهتماماتهم وميولهم؛ لذلك على كلِّ فرد أن يتوخَّى الطريقة التي تلائِمه في التعلُّم؛ لكي يتمكَّن من أن يَستفيد مما تعلَّمه الاستفادة القصوى، ويُطَبِّقه بأفضل صورة مُمكنة.

 

ثانيًا: من الخطأ أن نحاولَ أن نجعلَ كلَّ إنسان يحاول أن يتعلَّم كلَّ شيء ويُتقنه؛ ليُبَرهن على ذكائه وحِدَّة فِطنته.

 

أسهَمَت نظرية “الذكاء المتعدد” في إفراز نتائج إيجابيَّة عديدة على عدد من الأصعدة، ولقد كانت أهم إنجازاتها أنها أعادَت الكثير من الاعتبار للعديد من الأفراد الذين كان يتمُّ إهمالُهم فيما سبَق، فأبْرَزَت مواهبهم وقدراتهم، وساعَدت على دَمْجهم في المجتمع مرة أخرى، وأسْهَمَت في استفادة المجتمع من قدراتهم أيضًا، كما أنها أعادَت تشكيل الوعي بالقدرات الإنسانية وبالذكاء البشري بشكل عام، على أساس عملي وسياقي حياتي؛ حيث أسهمَت في تفعيل قدرات الإنسان الخفيَّة، وحَثِّها على مزيد من تطوير وتنمية المجتمع، كما أنها ربَطَت أكثر بين مناهج التعليم المجرَّد، وبين احتياجات المجتمع الخارجيَّة، ورَبَطت الطلاب بحياتهم خارج قاعات الدرس، وأسْهَمَت في إشراكهم في إيجاد حلول لمشكلاتهم الحياتيَّة، كما أسهَمت في نهاية المطاف في إلحاق كلِّ فرد بالوظيفة التي يستحقُّها، والتي تُناسب إمكانياته وقدراته ومواهبه؛ بحيث يتمكَّن كلُّ فرد في نهاية الأمر من إنجاز أقصى ما يستطيع إنجازه، غير مُحبَطٍ أو متوانٍ، وهو ما يعود بالصالح العام على المجتمع بأكمله.

 

من الممكن بالطبع إضافة أنواع أخرى من الذكاء للأنواع السبعة سابقة الذِّكر، فطالَما أننا نَبَذنا مفهوم “الذكاء الكلي”، وتبنَّيْنا مفهوم “الذكاء المتعدِّد” أو الذكاء النوعي، فإننا بصدد تهيئة الأجواء لمزيد من الإضافات، التي تُسهم في فَهْم وإدراك أعْمق لطبيعة الذكاء البشري، ولمزيد من الإمكانيَّات التي تُفَجِّر طاقات الإبداع داخل كلِّ فرد من أفراد المجتمع، وذلك عندما تتمُّ مخاطبتها واحتضانها بالشكل والطريقة الصائبة أو المناسبة، ولقد أضافَ جاردنر نفسه 3 أنواع أخرى من الذكاء لنظريته، وهي: الذكاء الطبيعي، والذكاء الوجداني، والذكاء الأخلاقي، وأضاف البعض الذكاء التجريدي.

 

لقد تميَّزت نظرية “الذكاء المتعدِّد” عن النظريات السابقة لها في أنها تعتمد على الأُسس البيوثقافية لدى كلِّ شخص، إنها تستمد فحواها من أحدث النتائج العلميَّة، التي تَمَّ استخلاصها في عِلمَي: الأعصاب، والمعرفة (الإبستمولوجيا)، كما أنها تَختلف عن سابقاتها في أنها تحاول تقديم كشفًا جديدًا للبشرية.

 

يعتبر الذكاء إمكانيَّة بيولوجيَّة تُعَبِّر عن نفسها فيما بعدُ، كناتج لتفاعل العوامل الوراثية والبيئية معًا، ومثلما يختلف الناس في مقدار الذكاء الذي يولدون به، يختلفون أيضًا في طبيعته، ويختلفون أكثر في الكيفيَّة التي يستطيعون بها تنميته وتطويرَه، وهو الإنجاز الفعلي والحقيقي الذي قدَّمَتْه “نظرية الذكاء المتعدِّد”.





Source link

أترك تعليقا

مشاركة
McG Confirms The Babysitter 3 Is Still in the Works (Exclusive) – ComicBook.com
مُقتطفات من مقالات كبار كتاب الصحف – صدى البلد