يعلمنا القرآن (1).. لماذا كان “فرارا” إلى الله؟


يعلمنا القرآن (1)

لماذا كان “فرارًا” إلى الله؟

يقول جل في علاه في سورة الذاريات:

﴿ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ * وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [الذاريات: 41 – 51].

يقول الطبري في تفسيره: “القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [الذاريات: 50]؛ يقول تعالى ذكره: فاهربوا – أيها الناس – من عقاب الله إلى رحمته بالإيمان به، واتباع أمره، والعمل بطاعته، ﴿ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ ﴾ [الذاريات: 50] يقول: إني لكم من الله نذير أنذركم عقابه، وأخوِّفكم عذابه الذي أحلَّه بهؤلاء الأمم الذي قصَّ عليكم قصصهم، والذي هو مذيقهم في الآخرة، وقوله ﴿ مُبِينٌ ﴾ يقول: يبين لكم نذارته”؛ [انتهى الطبري].

والفرار مفهوم مرتبط بالخوف والرهبة، والهلع والقلق، فالإنسان لا يهرُب أو يفِرُّ إلا من خطر داهم، أو عرض مُهْلِكٍ أو موقف صعب، أما الالتجاء أو التوجُّه، فقد يكون في جوٍّ من القلق، دون خوف أو رهبة.

 

وبالنظر إلى سياق الآيات، نجد عرضًا لِما أنزله الله بالأقوام الغابرة من عذاب ونكال، عندما عَصَوا وتمردوا على أوامر الله ورسالاته التي جاءتهم بها رسله، فكانت مصيبتهم الشرك أولًا، ومن ثَمَّ اختص كل قوم بنوع معين من المعصية، أضافت إلى شركهم آثامًا ومفاسدَ ضاقت بها الأرض.

 

فكان التعقيب القرآني عليها في أمرين:

1- تذكير الناس بالنعم الإلهية التي حفَّهم الله بها، مع استخلافهم في الأرض.

2- وثانيًا: الفرار إلى الله من الآثام والمعاصي التي قد تُورِدهم مواردَ تلك الأمم التي عَصَتْ واستكبرت في عصيانها، وتمردت وتجبرت، فالفرار الذي يأمر الله به عباده المؤمنين هو فرار من خطر الوقوع بما وقع به أولئك الأقوام، فتكون العاقبة مهالك دنيوية، وفي الآخرة عذاب عظيم.

لكن كيف يكون الفرار إلى الله؟

الفرار مفهوم يستغرق وجهتين وطريقًا: الوجهة التي تفر منها، والوجهة التي تفر إليها، والطريق بينهما، أما الوجهة التي نفِرُّ منها فهي المعاصي والآثام والمفاسد، ونحن نفر منها لعِظَم خطرها على المسلم، وما تجره إليه من نهاية مخيفة قد تفاجئه قبل أن يتوب.

ومشكلة الإنسان مع المعاصي استصغارها وتحقير شأنها، وهو لا يعلم أن الصغيرة مع التعوُّد تُحاط بصغائر مثلها لتنتهي إلى كبيرة، والكبيرة تجرُّ إلى كبيرة أخرى، فلا يجد الإنسان نفسه إلا وقد دخل في دائرة الخطر المهلك.

يقول صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد إذا أخطأ خطيئةً نُكِتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب، سُقِل قلبه، وإن عاد زِيد فيها حتى تعلوَ قلبه، وهو الرَّانُ الذي ذكر الله: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: 14]))؛ [صحيح الترمذي عن أبي هريرة].

فكثرة الذنوب والمعاصي تُحَوِّل القلب إلى السواد الخالص، والتوبة تُطهِّر القلب، وتَجْلُوه من أثر الذنوب والمعاصي.

والمواطن التي يتوجب علينا الفرار منها هي مواطن الشبهات، ومواطن الشهوات؛ فأما مواطن الشبهات، فأكثرها اليوم ازدحامًا مواطنُ المال والأعمال؛ حيث يجد المسلم نفسه محاطًا بأساليب الانغماس في المال الحرام، كما يحيط السِّوار بالْمِعْصم والعياذ بالله، سواء كان كسبًا أو إنفاقًا، فيجد نفسه وكأنه يسير في حقل ألغام.

أمَّا التكسُّب فحدِّث ولا حرج عن أساليب الغش والخداع، والمكر والاحتكار، والمتاجرة بأرزاق البشر، لا بل بالبشر أنفسهم، فلدينا اليوم متاجرة بالأشياء، ومتاجرة بالإنسان، وما أكثر المتاجرين بالإنسان سواء عقليًّا أم جسديًّا؛ تجار الفكر والصحة!

أولئك الذين استسلعوا الإنسان – جعلوا منه سلعة – فما عادوا مؤتمنين لا على علم، ولا على فِكْرٍ، ولا على صحة، ولا على شفاء قد يُرتجى من الالتجاء إليهم، ولله المشتكى.

ناهيك عن أكل الحرام من طريق الربا بأشكاله وأسمائه المعاصرة التي يجتهد في تحليلها والتلبيس فيها، وأما مواطن الشهوات، فهي أوضح من أن يحيط بها كلام، نحن نعيش عصر فساد الفطرة وفتنة الشهوات، كل شيء متاح ومفتوح على مصراعيه للدخول إلى كل ما هو محرَّم، وكلنا يعلم ولا حاجة للشرح والتفصيل.

وأما الجهة التي نفِرُّ إليها؛ فهي الله عز وجل، وأما الطريق؛ طريق الفرار، فهو شرعه جل في علاه، نسير وفق منهجه الذي رسمه لنا في قرآنه العظيم، وسُنَّة نبيه الكريم، نُحلِّل حلاله، ونُحرِّم حرامه، نتقي الله حق تقاته.

نحن اليوم واقعون في شِرْكِ قوم نوح، وفي كفر واستكبار قوم عاد، واستكبار وتمرد ثمود قوم صالح، وفاحشة قوم لوط، وجرائم قوم شعيب الاقتصادية والاجتماعية، وتحلَّينا بأخلاق اليهود وصفاتهم.

 

جمعنا كل المنكرات والمعاصي التي أوردت كل الأمم الغابرة موارد الهلاك، فهل من خلاص إلا بالفرار إلى الله؟!

 

اللهم فرارًا إليك لا نشقى بعده.

 

اللهم آمين.





Source link

أترك تعليقا

مشاركة
East West Street by Philippe Sands and A Passing Fury by AT Williams – review – The Guardian
How new CPAs can build a book of business – Journal of Accountancy